تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
ومعنى :
فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا
فتكون في اتباع الشيطان في العذاب . وتقدّم الكلام على
يا أَبَتِ
قريبا . [ 46 ]

[ سورة مريم ( 19 ) : آية 46 ]

قالَ أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ( 46 ) فصلت جملة :
قالَ . . .
لوقوعها في المحاورة كما تقدم في قوله تعالى :
قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها
في سورة البقرة [ 30 ] . والاستفهام للإنكار إنكارا لتجافي إبراهيم عن عبادة أصنامهم . وإضافة الآلهة إلى ضمير نفسه إضافة ولاية وانتساب إلى المضاف لقصد تشريف المضاف إليه . وقد جاء في جوابه دعوة ابنه بمنتهى الجفاء والعنجهية بعكس ما في كلام إبراهيم من الليّن والرقة ، فدلّ ذلك على أنه كان قاسي القلب ، بعيد الفهم ، شديد التصلّب في الكفر . وجملة
أَ راغِبٌ أَنْتَ
جملة اسمية مركبة من مبتدأ وفاعل سدّ مسدّ الخبر على اصطلاح النحاة طردا لقواعد التركيب اللفظي ، ولكنهم لما اعتبروا الاسم الواقع ثانيا بعد الوصف فاعلا سادّا مسدّ الخبر فقد أثبتوا لذلك الاسم حكم المسند إليه وصار للوصف المبتدأ حكم المسند . فمن أجل ذلك كان المصير إلى مثل هذا النظم في نظر البلغاء هو مقتضى كون المقام يتطلّب جملة اسمية للدلالة على ثبات المسند إليه ، ويتطلّب الاهتمام بالوصف دون الاسم لغرض يوجب الاهتمام به ، فيلتجئ البليغ إلى الإتيان بالوصف أولا والإتيان بالاسم ثانيا . ولمّا كان الوصف له عمل فعله تعين على النحاة اعتبار الوصف مبتدأ لأن للمبتدأ عراقة في الأسماء ، واعتباره مع ذلك متطلّبا فاعلا ، وجعلوا فاعله سادّا مسدّ الخبر ، فصار للتركيب شبهان . والتحقيق أنه في قوّة خبر مقدم ومبتدأ مؤخر . ولهذا نظر الزمخشري في « الكشاف » إلى هذا المقصد فقال : « قدم الخبر على المبتدأ في قوله :
أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي
لأنه كان أهمّ عنده وهو به أعنى » اه . وللّه دره ، وإن ضاع بين أكثر الناظرين درّه . فدل النظم في هذه الآية على أن أبا إبراهيم ينكر على إبراهيم تمكن الرغبة عن آلهتهم من نفسه ، ويهتم بأمر الرغبة عن الآلهة لأنها موضع عجب .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 48 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور