تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
وهذا كقوله تعالى :
وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً
وتقدم في سورة النساء [ 117 ] . وفي هذا تبغيض لعبادة الأصنام ، لأن في قرارة نفوس الناس بغض الشيطان والحذر من كيده . وجملة
إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا
تعليل للنهي عن عبادته وعبادة آثار وسوسته بأنه شديد العصيان للرب الواسع الرحمة . وذكر وصف
عَصِيًّا
الذي هو من صيغ المبالغة في العصيان مع زيادة فعل ( كان ) للدلالة على أنه لا يفارق عصيان ربه وأنه متمكن منه ، فلا جرم أنه لا يأمر إلا بما ينافي الرحمة ، أي بما يفضي إلى النقمة ، ولذلك اختير وصف الرحمن من بين صفات اللّه تعالى تنبيها على أن عبادة الأصنام توجب غضب اللّه فتفضي إلى الحرمان من رحمته ، فمن كان هذا حاله فهو جدير بأن لا يتبع . وإظهار اسم الشيطان في مقام الإضمار ، إذ لم يقل : إنه كان للرحمن عصيّا ، لإيضاح إسناد الخبر إلى المسند إليه ، ولزيادة التنفير من الشيطان ، لأن في ذكر صريح اسمه تنبيها إلى النفرة منه ، ولتكون الجملة موعظة قائمة بنفسها . وتقدّم الكلام على
يا أَبَتِ
قريبا . [ 45 ]

[ سورة مريم ( 19 ) : آية 45 ]

يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا ( 45 ) لا جرم أنه لما قرر له أن عبادته الأصنام اتّباع لأمر الشيطان عصيّ الرحمن انتقل إلى توقع حرمانه من رحمة اللّه بأن يحلّ به عذاب من اللّه ، فحذره من عاقبة أن يصير من أولياء الشيطان الذين لا يختلف البشر في مذمتهم وسوء عاقبتهم ، ولكنهم يندمجون فيهم عن ضلال بمآل حالهم . وللإشارة إلى أن أصل حلول العذاب بمن يحلّ به هو الحرمان من الرحمة في تلك الحالة ؛ عبر عن الجلالة بوصف الرحمن للإشارة إلى أن حلول العذاب ممن شأنه أن يرحم إنما يكون لفظاعة جرمه إلى حد أن يحرمه من رحمته من شأنه سعة الرحمة . والولي : الصاحب والتابع ومن حالهما حال واحدة وأمرهما جميع ؛ فكني بالولاية عن المقارنة في المصير . والتعبير بالخوف الدال على الظن دون القطع تأدب مع اللّه تعالى بأن لا يثبت أمرا فيما هو من تصرف اللّه ، وإبقاء للرجاء في نفس أبيه لينظر في التخلّص من ذلك العذاب بالإقلاع عن عبادة الأوثان .