تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
سَبِيلِهِ
[ الأنعام : 153 ] . [ 37 ]

[ سورة مريم ( 19 ) : آية 37 ]

فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 37 ) الفاء لتفريع الإخبار بحصول الاختلاف على الإخبار بأن هذا صراط مستقيم ، أي حاد عن الصراط المستقيم الأحزاب فاختلفوا بينهم في الطرائق التي سلكوها ، أي هذا صراط مستقيم لا يختلف سالكوه اختلافا أصليا ، فسلك الأحزاب طرقا أخرى هي حائدة عن الصراط المستقيم فلم يتفقوا على شيء . وقوله
مِنْ بَيْنِهِمْ
متعلّق باختلف . و ( من ) حرف توكيد ، أي اختلفوا بينهم . والمراد بالأحزاب أحزاب النصارى ، لأن الاختلاف مؤذن بأنهم كانوا متفقين ولم يكن اليهود موافقين النصارى في شيء من الدين . وقد كان النصارى على قول واحد على التّوحيد في حياة الحواريين ثم حدث الاختلاف في تلاميذهم . وقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى :
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ
في سورة النساء [ 171 ] أن الاختلاف انحلّ إلى ثلاثة مذاهب : الملكانيّة ( وتسمى الجاثليقيّة ) ؛ واليعقوبية ، والنسطورية . وانشعبت من هذه الفرق عدّة فرق ذكرها الشهرستاني ، ومنها الاليانة ، والبليارسية ، والمقدانوسية ، والسبالية ، والبوطينوسية ، والبولية ، إلى فرق أخرى . منها فرقة كانت في العرب تسمى الرّكوسية ورد ذكرها في الحديث : « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لعدي بن حاتم : إنّك ركوسي » . قال أهل اللغة هي نصرانية مشوبة بعقائد الصابئة . وحدثت بعد ذلك فرقة الاعتراضية ( البروتستان ) أتباع ( لوثير ) . وأشهر الفرق اليوم هي الملكانية ( كاثوليك ) ، واليعقوبية ( أرثودوكس ) ، والاعتراضية ( بروتستان ) . ولما كان اختلافهم قد انحصر في مرجع واحد يرجع إلى إلهية عيسى اغترارا وسوء فهم في معنى لفظ ( ابن ) الذي ورد صفة للمسيح في الأناجيل مع أنه قد وصف بذلك فيها أيضا أصحابه . وقد جاء في التوراة أيضا « أنتم أبناء اللّه » . وفي إنجيل متى الحواري وإنجيل يوحنا الحواري كلمات صريحة في أن المسيح ابن إنسان وأن اللّه إلهه وربّه ، فقد انحصرت مذاهبهم في الكفر باللّه فلذلك ذيل بقوله
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ
، فشمل قوله ( الّذين كفروا ) هؤلاء المخبر عنهم من النصارى وشمل المشركين غيرهم . والمشهد صالح لمعان ، وهو أن يكون مشتقا من المشاهدة أو من الشهود ، ثمّ إما أن يكون مصدرا ميميا في المعنيين أو اسم مكان لهما أو اسم زمان لهما ، أي يوم فيه
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 39 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور