تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
في قوله
آتانِيَ الْكِتابَ
. والزّكاة : الصدقة . والمراد : أن يصلّي ويزكّي . وهذا أمر خاص به كما أمر نبيئنا صلى اللّه عليه وسلم بقيام الليل ، وقرينة الخصوص قوله
ما دُمْتُ حَيًّا
لدلالته على استغراق مدة حياته بإيقاع الصلاة والصدقة ، أي أن يصلي ويتصدّق في أوقات التمكن من ذلك ، أي غير أوقات الدعوة أو الضرورات . فالاستغراق المستفاد من قوله
ما دُمْتُ حَيًّا
استغراق عرفي مراد به الكثرة ؛ وليس المراد الصلاة والصدقة المفروضتين على أمته ، لأن سياق الكلام في أوصاف تميّز بها عيسى عليه السلام ، ولأنه لم يأت بشرع صلاة زائدة على ما شرع في التوراة . والبرّ - بفتح الباء - : اسم بمعنى البار . وتقدم آنفا . وقد خصه اللّه تعالى بذلك بين قومه ، لأن برّ الوالدين كان ضعيفا في بني إسرائيل يومئذ ، وبخاصة الوالدة لأنها تستضعف ، لأن فرط حنانها ومشقتها قد يجرءان الولد على التساهل في البرّ بها . والجبّار : المتكبر الغليظ على الناس في معاملتهم . وقد تقدم في سورة هود [ 59 ] قوله :
وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
. والشقيّ : الخاسر والذي تكون أحواله كدرة له ومؤلمة ، وهو ضدّ السعيد . وتقدّم عند قوله تعالى :
فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ
في آخر سورة هود [ 105 ] . ووصف الجبار بالشقي باعتبار ما له في الآخرة وربما في الدنيا . وقوله
وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ
إلى آخره ، تنويه بكرامته عند اللّه ، أجراه على لسانه ليعلموا أنه بمحل العناية من ربّه ، والقول فيه تقدّم في آية ذكر يحيى . وجيء بالسّلام هنا معرّفا باللام الدالة على الجنس مبالغة في تعلّق السلام به حتى كان جنس السلام بأجمعه عليه . وهذا مؤذن بتفضيله على يحيى إذ قيل في شأنه
وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ
[ مريم : 15 ] ، وذلك هو الفرق بين المعرّف بلام الجنس وبين النكرة . ويجوز جعل اللام للعهد ، أي سلام إليه ، وهو كناية عن تكريم اللّه عبده بالثناء عليه في الملأ الأعلى وبالأمر بكرامته . ومن هذا القبيل السلام على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً
[ الأحزاب : 56 ] ، وما أمرنا به في التشهد في الصلاة من قول المتشهد : « السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته » .