تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
والقيوم : القائم بتدبير النّاس ، مبالغة في القيّم ، أي الذي لا يفوته تدبير شيء من الأمور . وتقدم
الْحَيُّ الْقَيُّومُ
في سورة البقرة [ 255 ] . وجملة
وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً
؛ إما معترضة في آخر الكلام تفيد التعليل إن جعل التعريف في
الْوُجُوهُ
عوضا عن المضاف إليه ، أي وجوه المجرمين . والمعنى : إذ قد خاب كلّ من حمل ظلما ؛ وإما احتراس لبيان اختلاف عاقبة عناء الوجوه ، فمن حمل ظلما فقد خاب يومئذ واستمر عناؤه ، ومن عمل صالحا عاد عليه ذلك الخوف بالأمن والفرح . والظلم : ظلم النفس . وجملة
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ
إلخ : شرطية مفيدة قسيم مضمون جملة
وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً
. وصيغ هذا القسيم في صيغة الشرط تحقيقا للوعد ، و
فَلا يَخافُ
جواب الشرط ، واقترانه بالفاء علامة على أن الجملة غير صالحة لموالاة أداة الشرط ، فتعين ؛ إما أن تكون ( لا ) التي فيها ناهية ، وإما أن يكون الكلام على نيّة الاستئناف . والتقدير : فهو لا يخاف . وقرأ الجمهور
فَلا يَخافُ
بصيغة المرفوع بإثبات ألف بعد الخاء ، على أن الجملة استئناف غير مقصود بها الجزاء ، كأن انتفاء خوفه أمر مقرر لأنه مؤمن ويعمل الصالحات . وقرأه ابن كثير بصيغة الجزم بحذف الألف بعد الخاء ، على أن الكلام نهي مستعمل في الانتفاء . وكتبت في المصحف بدون ألف فاحتملت القراءتين . وأشار الطيبي إلى أن الجمهور توافق قوله تعالى :
وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً
في أن كلتا الجملتين خبرية . وقراءة ابن كثير تفيد عدم التردد في حصول أمنه من الظلم والهضم ، أي في قراءة الجمهور خصوصية لفظية وفي قراءة ابن كثير خصوصية معنوية . ومعنى
فَلا يَخافُ ظُلْماً
لا يخاف جزاء الظالمين لأنّه آمن منه بإيمانه وعمله الصالحات . والهضم : النقص ، أي لا ينقصون من جزائهم الذي وعدوا به شيئا كقوله
وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ
[ هود : 109 ] . ويجوز أن يكون الظلم بمعنى النقص الشديد كما في قوله
وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً
[ الكهف : 33 ] ، أي لا يخاف إحباط عمله ، وعليه يكون الهضم بمعنى النقص الخفيف ، وعطفه على الظلم على هذا التفسير احتراس .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 186 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور