تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
والمجرور متعلق بفعل
رَضِيَ
. وانتصب
قَوْلًا
على المفعولية لفعل « رضي » لأن
رَضِيَ
هذا يتعدى إلى الشيء المرضي به بنفسه وبالباء . وجملة
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ
مستأنفة بيانية لجواب سؤال من قد يسأل بيان ما يوجب رضى اللّه عن العبد الذي يأذن بالشفاعة فيه . فبيّن بيانا إجماليا بأن الإذن بذلك يجري على ما يقتضيه علم اللّه بسائر العبيد وبأعمالهم الظاهرة ، فعبر عن الأعمال الظاهرة بما بين أيديهم لأنّ شأن ما بين الأيدي أن يكون واضحا ، وعبر عن السرائر بما خلفهم لأنّ شأن ما يجعل خلف المرء أن يكون محجوبا . وقد تقدم ذلك في آية الكرسي ، فهو كناية عن الظاهرات والخفيات ، أي فيأذن لمن أراد تشريفه من عباده المقربين بأن يشفع في طوائف مثل ما ورد في الحديث « يخرج من النّار من كان في قلبه مثقال حبّة من إيمان » ، أو بأن يشفع في حالة خاصة مثل ما ورد في حديث الشفاعة العظمى في الموقف لجميع الناس بتعجيل حسابهم . وجملة
وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
تذييل للتعليم بعظمة علم اللّه تعالى وضآلة علم البشر ، نظير ما وقع في آية الكرسي . وجملة
وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ
معطوفة على جملة
وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ
، أي ظهر الخضوع في الأصوات والعناء في الوجوه . والعناء : الذلة ، وأصله الأسر ، والعاني : الأسير . ولما كان الأسير ترهقه ذلة في وجهه أسند العناء إلى الوجوه على سبيل المجاز العقلي ، والجملة كلها تمثيل لحال المجرمين الذين الكلام عليهم من قوله ونحشر
الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً
[ طه : 102 ] ، فاللّام في
الْوُجُوهُ
عوض عن المضاف إليه ، أي وجوههم ، كقوله تعالى :
فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى
[ النازعات : 39 ] أي لهم . وأما وجوه أهل الطاعات فهي وجوه يومئذ ضاحكة مستبشرة . ويجوز أن يجعل التعريف في
الْوُجُوهُ
على العموم ، ويراد ب
عَنَتِ
خضعت ، أي خضع جميع الناس إجلالا للّه تعالى . والحيّ : الذي ثبت له وصف الحياة ، وهي كيفية حاصلة لأرقى الموجودات ، وهي قوّة للموجود بها بقاء ذاته وحصول إدراكه أبدا أو إلى أمد ما . والحياة الحقيقية هي حياة اللّه تعالى لأنّها ذاتية غير مسبوقة بضدها ولا منتهية .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 185 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور