والعتيّ - بضم العين في قراءة الجمهور - مصدر عتا العود إذا يبس ، وهو بوزن فعول أصله عتوو ، والقياس فيه أن تصحح الواو لأنها إثر ضمّة ولكنهم لما استثقلوا توالي ضمتين بعدهما واوان وهما بمنزلة - ضمتين - تخلصوا من ذلك الثقل بإبدال ضمّة العين كسرة ثم قلبوا الواو الأولى ياء لوقوعها ساكنة إثر كسرة فلما قلبت ياء اجتمعت تلك الياء مع الواو التي هي لام ، وكأنهم ما كسروا التاء في عتي بمعنى اليبس إلّا لدفع الالتباس بينه وبين العتوّ الذي هو الطغيان فلا موجب لطلب تخفيف أحدهما دون الآخر .
شبه عظامه بالأعواد اليابسة على طريقة المكنية ، وإثبات وصف العتي لها استعارة تخييلية .
[ 9 ]
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 9 ]
قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ( 9 )
فصلت جملة
قالَ كَذلِكَ
لأنها جرت على طريقة المحاورة . وهي جواب عن تعجبه . والمقصود منه إبطال التعجب الذي في قوله :
وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا
[ مريم : 8 ] . فضمير
قالَ
عائد إلى الرب من قوله
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ
[ مريم : 8 ] .
والإشارة في قوله
كَذلِكَ
إلى قول زكرياء
وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا
. والجار والمجرور مفعول لفعل
قالَ رَبُّكَ
، أي كذلك الحال من كبرك وعقر امرأتك قدّر ربّك ، ففعل
قالَ رَبُّكَ
مراد به القول التكويني ، أي التقديري ، أي تعلّق الإرادة والقدرة . والمقصود من تقريره التمهيد لإبطال التعجب الدال عليه قوله
عَلَيَّ هَيِّنٌ
، فجملة
هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ
استئناف بياني جوابا لسؤال ناشئ عن قوله
كَذلِكَ
لأنّ تقرير منشأ التعجب يثير ترقب السامع أن يعرف ما يبطل ذلك التعجب المقرّر ، وذلك كونه هيّنا في جانب قدرة اللّه تعالى العظيمة .
ويجوز أن يكون المشار إليه بقوله
كَذلِكَ
هو القول المأخوذ من
قالَ رَبُّكَ
، أي أن قول ربّك
هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ
بلغ غاية الوضوح في بابه بحيث لا يبين بأكثر ما علمت ، فيكون جاريا على طريقة التشبيه كقوله تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
وقد تقدم في سورة البقرة [ 143 ] . وعلى هذا الاحتمال فجملة
هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ
تعليل لإبطال التعجب إبطالا مستفادا من قوله
كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ
، ويكون الانتقال من الغيبة في قوله