الآتي :
هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا
[ مريم : 65 ] أي لا مثيل للّه تعالى في أسمائه . وهذا أظهر في الثناء على يحيى والامتنان على أبيه . والمعنى : أنه لم يجئ قبل يحيى من الأنبياء من اجتمع له ما اجتمع ليحيى فإنه أعطي النبوءة وهو صبيّ ، قال تعالى :
وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
[ مريم : 12 ] ، وجعل حصورا ليكون غير مشقوق عليه في عصمته عن الحرام ، ولئلا تكون له مشقة في الجمع بين حقوق العبادة وحقوق الزوجة ، وولد لأبيه بعد الشيخوخة ولأمّه بعد العقر ، وبعث مبشرا برسالة عيسى عليه السلام ، ولم يكن هو رسولا ، وجعل اسمه العلم مبتكرا غير سابق من قبله . وهذه مزايا وفضائل وهبت له ولأبيه ، وهي لا تقتضي أنه أفضل الأنبياء لأنّ الأفضلية تكون بمجموع فضائل لا ببعضها وإن جلّت ، ولذلك قيل « المزيّة لا تقتضي الأفضليّة » وهي كلمة صدق .
وجملة
قالَ رَبِّ
جواب للبشارة .
و
أَنَّى
استفهام مستعمل في التعجب ، والتعجب مكنى به عن الشكر ، فهو اعتراف بأنها عطية عزيزة غير مألوفة لأنّه لا يجوز أن يسأل اللّه أن يهب له ولدا ثمّ يتعجب من استجابة اللّه له . ويجوز أن يكون قد ظن اللّه يهب له ولدا من امرأة أخرى بأن يأذنه بتزوج امرأة غير عاقر ، وتقدّم القول في نظير هذه الآية في سورة آل عمران .
وجملة
امْرَأَتِي عاقِراً
حال من ياء التكلّم . وكرّر ذلك مع قوله في دعائه
وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً
. وهو يقتضي أنّ زكرياء كان يظن أن عدم الولادة بسبب عقر امرأته ، وكان الناس يحسبون ذلك إذا لم يكن بالرجل عنّة ولا خصاء ولا اعتراض ، لأنهم يحسبون الإنعاظ والإنزال هما سبب الحمل إن لم تكن بالمرأة عاهة العقر . وهذا خطأ فإن عدم الولادة يكون إمّا لعلّة بالمرأة في رحمها أو لعلة في ماء الرجل يكون غير صالح لنماء البويضات التي تبرزها رحم المرأة .
و
مِنَ
في قوله
مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا
للابتداء ، وهو مجاز في معنى التعليل .
والكبر : كثرة سني العمر ، لأنه يقارنه ظهور قلّة النشاط واختلال نظام الجسم .
و
عِتِيًّا
مفعول
بَلَغْتُ
.
والبلوغ : مجاز في حلول الإبان ، وجعل نفسه هنا بالغا الكبر وفي آية آل عمران [ 40 ] قال :
وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ
لأن البلوغ لما كان مجازا في حصول الوصف صح أن يسند إلى الوصف وإلى الموصوف .