تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
شُهَداءَ
[ النور : 13 ] ، أي كان الشأن أن تقول
ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
عوض قولك :
ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً
[ الكهف : 36 ] . والمعنى : أكفرت باللّه وكفرت نعمته . و ( ما ) من قوله :
ما شاءَ اللَّهُ
أحسن ما قالوا فيها إنها موصولة ، وهي خبر عن مبتدأ محذوف يدل عليه ملابسة حال دخول الجنة ، أي هذه الجنة ما شاء اللّه ، أي الأمر الذي شاء اللّه إعطاءه إياي . وأحسن منه عندي : أن تكون ( ما ) نكرة موصوفة . والتقدير : هذه شيء شاء اللّه ، أي لي . وجملة
لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
تعليل لكون تلك الجنة من مشيئة اللّه ، أي لا قوة لي على إنشائها ، أو لا قوة لمن أنشأها إلا باللّه ، فإن القوى كلها موهبة من اللّه تعالى لا تؤثر إلا بإعانته بسلامة الأسباب والآلات المفكرة والصانعة . فما في جملة
لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
من العموم جعلها كالعلة والدليل لكون تلك الجنة جزئيا من جزئيات منشئات القوى البشرية الموهوبة للناس بفضل اللّه .
إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً ( 40 ) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً
( 41 ) . جملة ابتدائية رجع بها إلى مجاوبة صاحبه عن قوله :
أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً
[ الكهف : 34 ] ، وعظه فيها بأنه لا يدري أن تصير كثرة ماله إلى قلة أو إلى اضمحلال ، وأن يصير القليل ماله ذا مال كثير . وحذفت ياء المتكلم بعد نون الوقاية تخفيفا وهو كثير . و ( أنا ) ضمير فصل ، فلذلك كان
أَقَلَّ
منصوبا على أنه مفعول ثان ل
تَرَنِ
ولا اعتداد بالضمير . و ( عسى ) للرجاء ، وهو طلب الأمر القريب الحصول . ولعله أراد به الدعاء لنفسه وعلى صاحبه . والحسبان : مصدر حسب كالغفران . وهو هنا صفة لموصوف محذوف ، أي هلاكا حسبانا ، أي مقدرا من اللّه ، كقوله تعالى :
عَطاءً حِساباً
[ النبأ : 36 ] . وقيل : الحسبان اسم جمع لسهام قصار يرمى بها في طلق واحد وليس له مفرد . وقيل : اسم جمع حسبانة وهي الصاعقة . وقيل : اسم للجراد . والمعاني الأربعة صالحة هنا ، والسماء : الجو
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 70 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور