ووجه فصل الجملة أنها مخالفة للتي قبلها بالإنشائية المخالفة للخبرية .
وفعل
كَبُرَتْ
- بضم الباء - . أصله : الإخبار عن الشيء بضخامة جسمه ، ويستعمل مجازا في الشدة والقوة في وصف من الصفات المحمودة والمذمومة على وجه الاستعارة ، وهو هنا مستعمل في التعجيب من كبر هذه الكلمة في الشناعة بقرينة المقام .
ودل على قصد التعجيب منها انتصاب
كَلِمَةً
على التمييز إذ لا يحتمل التمييز هنا معنى غير أنه تمييز نسبة التعجيب ، ومن أجل هذا مثلوا بهذه الآية لورود فعل الأصلي والمحول لمعنى المدح والذم في معنى نعم وبئس بحسب المقام .
والضمير في قوله :
كَبُرَتْ
يرجع إلى الكلمة التي دل عليها التمييز .
وأطلقت الكلمة على الكلام وهو إطلاق شائع ، ومنه قوله تعالى :
إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها
[ المؤمنون : 100 ] ،
وقول النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد :
ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل »
وجملة
تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ
صفة ل
كَلِمَةً
مقصود بها من جرأتهم على النطق بها ووقاحتهم في قولها .
والتعبير بالفعل المضارع لاستحضار صورة خروجها من أفواههم تخييلا لفظاعتها .
وفيه إيماء إلى أن مثل ذلك الكلام ليس له مصدر غير الأفواه ، لأنه لاستحالته تتلقاه وتنطق به أفواههم وتسمعه أسماعهم ولا تتعقله عقولهم لأن المحال لا يعتقده العقل ولكنه يتلقاه المقلد دون تأمل .
والأفواه : جمع فم وهو بوزن أفعال ، لأن أصل فم فوه بفتحتين بوزن جمل ، أو فيه بوزن ريح ، فحذفت الهاء من آخره لثقلها مع قلة حروف الكلمة بحيث لا يجد الناطق حرفا يعتمد عليه لسانه ، ولأن ما قبلها حرف ثقيل وهو الواو المتحركة فلما بقيت الكلمة مختومة بواو متحركة أبدلت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار « فا » ولا يكون اسم على حرفين أحدهما تنوين ، فأبدلت الألف المنونة بحرف صحيح وهو الميم لأنها تشابه الواو التي هي الأصل في الكلمة لأنهما شفهيتان فصار « فم » ، ولما جمعوه ردوه إلى أصله .
وجملة
إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً
مؤكدة لمضمون جملة
تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ
لأن الشيء الذي تنطق به الألسن ولا تحقق له في الخارج ونفس الأمر هو الكذب ، أي تخرج من أفواههم خروج الكذب ، فما قولهم ذلك إلا كذب ، أي ليست له صفة إلا صفة