تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً
. جملة معترضة بين جملة
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ
وجملة
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ
[ الإسراء : 106 ] . أي وفي ذلك الحق نفع وضر فأنت به مبشر للمؤمنين ونذير للكافرين . والقصر للرد على الذين سألوه أشياء من تصرفات اللّه تعالى والذين ظنوا أن لا يكون الرسول بشرا . [ 106 ]

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 106 ]

وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً ( 106 ) عطف على جملة
أَنْزَلْناهُ
[ الإسراء : 105 ] . وانتصب
قُرْآناً
على الحال من الضمير المنصوب في
فَرَقْناهُ
مقدمة على صاحبها تنويها الكون قرآنا ، أي كونه كتابا مقروءا . فإن اسم القرآن مشتق من القراءة ، وهي التلاوة ، إشارة إلى أنه من جنس الكلام الذي يحفظ ويتلى ، كما أشار إليه قوله تعالى :
تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ
[ الحجر : 1 ] ، وقد تقدم بيانه . فهذا الكتاب له أسماء باختلاف صفاته فهو كتاب ، وقرآن ، وفرقان ، وذكر ، وتنزيل . وتجري عليه هذه الأوصاف أو بعضها باختلاف المقام ، ألا ترى إلى قوله تعالى :
وَقُرْآنَ الْفَجْرِ
[ الإسراء : 78 ] وقوله :
فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ
[ المزمل : 20 ] باعتبار أن المقام للأمر بالتلاوة في الصلاة أو مطلقا ، وإلى قوله :
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً
[ الفرقان : 1 ] في مقام كونه فارقا بين الحق والباطل ، ولهذا لم يوصف من الكتب السماوية بوصف القرآن غير الكتاب المنزل على محمد صلى اللّه عليه وسلّم . ومعنى
فَرَقْناهُ
جعلناه فرقا ، أي أنزلناه منجما مفرقا غير مجتمع صبرة واحدة . يقال : فرق الأشياء إذا باعد بينها ، وفرق الصبرة إذا جزأها . ويطلق الفرق على البيان لأن البيان يشبه تفريق الأشياء المختلطة ، فيكون
فَرَقْناهُ
محتملا معنى بيناه وفصلناه ، وإذ قد كان قوله :
قُرْآناً
حالا من ضمير
فَرَقْناهُ
آل المعنى إلى : أنا فرقناه وأقرأناه . وقد علل بقوله :
لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ
. فهما علتان : أن يقرأ على الناس وتلك علة لجعله قرآنا ، وأن يقرأ على مكث ، أي مهل وبطء وهي علة لتفريقه . والحكمة في ذلك أن تكون ألفاظه ومعانيه أثبت في نفوس السامعين .