تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
دون محاولة إتيانه . والإرسال يجوز أن يكون حقيقة فيكون مفعول
أَنْ نُرْسِلَ
محذوفا دل عليه فعل
نُرْسِلَ
. والتقدير : أن نرسل رسولنا ، فالباء في قوله :
بِالْآياتِ
للمصاحبة ، أي مصاحبا للآيات التي اقتراحها المشركون . ويجوز أن يكون الإرسال مستعارا لإظهار الآيات وإيجادها ، فتكون الباء مزيدة لتأكيد تعلق فعل
نُرْسِلَ بِالْآياتِ
، وتكون
بِالْآياتِ
مفعولا في المعنى كقوله تعالى :
وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ
[ المائدة : 6 ] . والتعريف في
بِالْآياتِ
على كلا الوجهين للعهد ، أي المعهودة من اقتراحهم كقولهم :
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً
، [ الإسراء : 90 ] و
قالُوا لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى
[ القصص : 48 ] و
قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ
[ الأنعام : 124 ] على أحد التأويلين . و ( أن ) الأولى مفيدة مصدرا منصوبا على نزع الخافض ، وهو ( من ) التي يتعدى بها فعل المنع ، وهذا الحذف مطرد مع ( أن ) . و ( أن ) الثانية مصدرها فاعل
مَنَعَنا
على الاستثناء المفرغ . وإسناد المنع إلى تكذيب الأولين بالآيات مجاز عقلي لأن التكذيب سبب الصرف . والمعنى : أننا نعلم أنهم لا يؤمنون كما لم يؤمن من قبلهم من الكفرة لما جاءتهم أمثال تلك الآيات . فعلم الناس أن الإصرار على الكفر سجية للمشرك لا يقلعها إظهار الآيات ، فلو آمن الأولون عندما أظهرت لهم الآيات لكان لهؤلاء أن يجعلوا إيمانهم موقوفا على إيجاد الآيات التي سألوها . قال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ
كلمات
رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ
[ يونس : 96 - 97 ] . والأظهر أن هذا تثبيت لأفئدة المؤمنين لئلا يفتنهم الشيطان ، وتسلية للنبي صلى اللّه عليه وسلّم لحرصه على إيمان قومه فلعله يتمنى أن يجيبهم اللّه لما سألوا من الآيات ولحزنه من أن يظنوه كاذبا . وجملة
وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ
في محل الحال من ضمير الجلالة في
مَنَعَنا
، أي وقد آتينا ثمودا آية كما سألوه فزادوا كفرا بسببها حتى عجل لهم العذاب . ومعنى
مُبْصِرَةً
واضحة الدلالة ، فهو اسم فاعل أبصر المتعدي إلى مفعول ، أي