العناد والإصرار على الكفر . وذلك يسوء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويحزنه أن لا يهتدوا ، فوجه هذا الكلام إليه تسلية له . ويدل لذلك تعقيبه بقوله :
وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا
.
ومعنى
إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ
على هذا الكناية عن مشيئة هديه إياهم الذي هو سبب الرحمة ، أو مشيئة تركهم وشأنهم . وهذا أحسن ما تفسر به هذه الآية ويبين موقعها ، وما قيل غيره أراه لا يلتئم .
وأوتي بالمسند إليه بلفظ الرب مضافا إلى ضمير المؤمنين الشامل للرسول تذكيرا بأن الاصطفاء للخير شأن من معنى الربوبية التي هي تدبير شؤون المربوبين بما يليق بحالهم ، ليكون لإيقاع المسند على المسند إليه بعد ذلك بقوله :
أَعْلَمُ بِكُمْ
وقع بديع ، لأن الذي هو الرب هو الذي يكون أعلم بدخائل النفوس وقابليتها للاصطفاء .
وهذه الجملة بمنزلة المقدمة لما بعدها وهي جملة
إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ
الآية ، أي هو أعلم بما يناسب حال كل أحد من استحقاق الرحمة واستحقاق العذاب .
ومعنى
أَعْلَمُ بِكُمْ
أعلم بحالكم ، لأن الحالة هي المناسبة لتعلق العلم .
فجملة
إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ
مبينة للمقصود من جملة
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ
.
والرحمة والتعذيب مكنى بهما عن الاهتداء والضلال ، بقرينة مقارنته لقوله :
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ
الذي هو كالمقدمة . وسلك سبيل الكناية بهما لإفادة فائدتين : صريحهما وكنايتهما ، ولإظهار أنه لا يسأل عما يفعل ، لأنه أعلم بما يليق بأحوال مخلوقاته . فلما ناط الرحمة بأسبابها والعذاب بأسبابه ، بحكمته وعدله ، علم أن معنى مشيئته الرحمة أو التعذيب هو مشيئة إيجاد أسبابهما ، وفعل الشرط محذوف . والتقدير : إن يشأ رحمتكم يرحمكم أو إن يشأ تعذيبكم يعذبكم ، على حكم حذف مفعول فعل المشيئة في الاستعمال .
وجيء بالعطف بحرف ( أو ) الدالة على أحد الشيئين لأن الرحمة والتعذيب لا يجتمعان ف ( أو ) للتقسيم .
وذكر شرط المشيئة هنا فائدته التعليم بأنه تعالى لا مكره له ، فجمعت الآية الإشارة إلى صفة العلم والحكمة وإلى صفة الإرادة والاختيار .