الأحوال عدا ما خصّصه الدليل مما في آية الأنعام [ 145 ]
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ
الآية .
وبهذا يعلم أن لا دليل في هذه الآية على تحريم أكل لحوم الخيل والبغال والحمير لأن أكلها نادر الخطور بالبال لقلّته ، وكيف وقد أكل المسلمون لحوم الحمر في غزوة خيبر بدون أن يستأذنوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا في حالة اضطرار ، وآية سورة النحل يومئذ مقروءة منذ سنين كثيرة فلم ينكر عليهم أحد ولا أنكره النبي صلّى اللّه عليه وسلّم .
كما
جاء في الصحيح : أنه أتي فقيل له : أكلت الحمر ، فسكت ، ثم أتي فقيل :
أكلت الحمر فسكت . ثم أتي فقيل : أفنيت الحمر فنادى منادي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن اللّه ورسوله ينهيانكم عن أكل لحوم الحمر . فأهرقت القدور
. وأن الخيل والبغال والحمير سواء في أن الآية لا تشمل حكم أكلها . فالمصير في جواز أكلها ومنعه إلى أدلّة أخرى .
فأما الخيل والبغال ففي جواز أكلها خلاف قوي بين أهل العلم ، وجمهورهم أباحوا أكلها . وهو قول الشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والظاهري ، وروي عن ابن مسعود وأسماء بنت أبي بكر وعطاء والزهري والنخعي وابن جبير .
وقال مالك وأبو حنيفة : يحرم أكل لحوم الخيل ، وروي عن ابن عباس . واحتجّ بقوله تعالى :
لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً
، ولو كانت مباحة الأكل لامتنّ بأكلها كما امتنّ في الأنعام بقوله :
وَمِنْها تَأْكُلُونَ
[ سورة النحل : 5 ] . وهو دليل لا ينهض بمفرده . فيجاب عنه بما قرّرنا من جريان الكلام على مراعاة عادة المخاطبين به . وقد ثبتت أحاديث كثيرة أن المسلمين أكلوا لحوم الخيل في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعلمه . ولكنه كان نادرا في عادتهم .
وعن مالك رضي اللّه عنه رواية بكراهة لحوم الخيل واختار ذلك القرطبي .
وأما الحمير فقد ثبت أكل المسلمين لحومها يوم خيبر . ثم نهوا عن ذلك كما في الحديث المتقدم . واختلف في محمل ذلك ، فحمله الجمهور على التحريم لذات الحمير .
وحمله بعضهم على تأويل أنها كانت حمولتهم يومئذ فلو استرسلوا على أكلها لانقطعوا بذلك المكان فآبوا رجالا ولم يستطيعوا حمل أمتعتهم . وهذا رأي فريق من السلف . وأخذ فريق من السّلف بظاهر النهي فقالوا بتحريم أكل لحوم الحمر الإنسية لأنها مورد النهي وأبقوا الوحشية على الإباحة الأصلية . وهو قول جمهور الأئمة مالك وأبي حنيفة