تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
ويحتمل أن يراد به المجاز عن الأصناف وهو استعمال أثبته الراغب . فوجه ذكره في الآية أن التمتّع الّذي تمتدّ إلى مثله العين ليس ثابتا لجميع الكفّار بل هو شأن كبرائهم ، أي فإن فيهم من هم في حال خصاصة فاعتبر بهم كيف جمع لهم الكفر وشظف العيش . والنّهي عن الحزن عليهم شامل لكلّ حال من أحوالهم من شأنها أن تحزن الرّسول - عليه الصلاة والسلام - وتؤسفه . فمن ذلك كفرهم كما قال تعالى :
فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً
[ سورة الكهف : 6 ] . ومنه حلول العذاب بهم مثل ما حلّ بهم يوم بدر فإنهم سادة أهل مكة ، فلعلّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يتحسّر على إصرارهم حتى حلّ بهم ما حلّ من العذاب . ففي هذا النهي كناية عن قلّة الاكتراث بهم وعن توعدهم بأن سيحلّ بهم ما يثير الحزن لهم ، وكناية عن رحمة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالنّاس . ولما كان هذا النّهي يتضمن شدّة قلب وغلظة لا جرم اعترضه بالأمر بالرفق للمؤمنين بقوله
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
. وهو اعتراض مراد منه الاحتراس . وهذا كقوله :
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
[ سورة الفتح : 29 ] . وخفض الجناح تمثيل للرفق والتواضع بحال الطائر إذا أراد أن ينحطّ للوقوع حفض جناحه يريد الدنوّ ، وكذلك يصنع إذا لاعب أنثاه فهو راكن إلى المسالمة والرفق ، أو الذي يتهيأ لحضن فراخه . وفي ضمن هذه التمثيلية استعارة مكنية ، والجناح تخييل . وقد بسطناه في سورة الإسراء في قوله :
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
[ سورة الإسراء : 24 ] وقد شاعت هذه التمثيلية حتى صارت كالمثل في التواضع واللّين في المعاملة . وضد ذلك رفع الجناح تمثيل للجفاء والشدّة . ومن شعر العلامة الزمخشري يخاطب من كان متواضعا فظهر منه تكبّر ( ذكره في سورة الشعراء ) :
وأنت الشّهير بخفض الجناح * فلا تك في رفعه أجدلا
وفي هذه الآية تمهيد لما يجيء بعدها من قوله تعالى :
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ
[ سورة الحجر : 94 ] . وجملة
وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ
عطف على جملة
وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ
. فالمقول لهم هذا القول هم المتحدّث عنهم بالضّمائر السابقة في قوله تعالى :
مِنْهُمْ
وقوله :
عَلَيْهِمْ
. فالتقدير : وقل لهم لأن هذا القول مراد منه المتاركة ، أي ما عليّ إلّا
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 66 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور