تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
دلّ عليه السكون ، وتكون
مِنْ
ابتدائية ، لأن أول السكون يقع في البيوت . وشمل البيوت هنا جميع أصنافها . وخصّ بالذّكر القباب والخيام في قوله تعالى :
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً
لأن القباب من أدم ، والخيام من منسوج الأوبار والأصواف والأشعار ، وهي ناشئة من الجلد ، لأن الجلد هو الإهاب بما عليه ، فإذا دبغ وأزيل منه الشّعر فهو الأديم . وهذا امتنان خاص بالبيوت القابلة للانتقال والارتحال ، والبشر كلّهم لا يعدون أن يكونوا أهل قرى أو قبائل رحلا . والسين والتاء في
تَسْتَخِفُّونَها
للوجدان ، أي تجدونها خفيفة ، أي خفيفة المحمل حين ترحلون ، إذ يسهل نقضها من مواضعها وطيّها وحملها على الرواحل ، وحين تنيخون إناخة الإقامة في الموضع المنتقل إليه فيسهل ضربها وتوثيقها في الأرض . والظعن - بفتح الظاء والعين وتسكن العين - ، وقد قرأه بالأول نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب ، وبالثاني الباقون ، وهو السّفر . وأطلق اليوم على الحين والزمن ، أي وقت سفركم . والأثاث - بفتح الهمزة - اسم جمع للأشياء التي تفرش في البيوت من وسائد وبسط وزرابيّ ، وكلها تنسج أو تحشى بالأصواف والأشعار والأوبار . والمتاع أعمّ من الأثاث ، فيشمل الأعدال والخطم والرحائل واللّبود والعقل . فالمتاع : ما يتمتّع به وينتفع ، وهو مشتقّ من المتع ، وهو الذهاب بالشيء ، ولملاحظة اشتقاقه تعلّق به إلى حين . والمقصود من هذا المتعلّق الوعظ بأنها أو أنهم صائرون إلى زوال يحول دون الانتفاع بها ليكون الناس على أهبة واستعداد للآخرة فيتّبعوا ما يرضي اللّه تعالى . كما قال :
أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها
[ سورة الأحقاف : 20 ] . [ 81 ]

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 81 ]

وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ( 81 )
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 192 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور