تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
أبى لك كسب الحمد رأي مقصّر * ونفس أضاق اللّه بالخير باعها
إذا هي حثّته على الخير مرّة * عصاها وإن همّت بشر أطاعها
ثم صرّح بما وقع التعريض به بقوله :
أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
. وقرأ أبو بكر عن عاصم ورويس عن يعقوب تجحدون بالمثناة الفوقية على مقتضى الظاهر ويكون الاستفهام مستعملا في التحذير . وتصلح جملة
أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
أن تكون مفرّعة على جملة
فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ
، فيكون التوبيخ متوجّها إلى فريق من المشركين وهم الذين فضلوا بالرزق وهم أولو السّعة منهم وسادتهم وقد كانوا أشدّ كفرا بالدين وتألّبا على المسلمين ، أي أيجحد الذين فضلوا بنعمة اللّه إذ أفاض عليهم النّعمة فيكونوا أشد إشراكا به ، كقوله تعالى :
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا
[ سورة المزمل : 11 ] . وعلى هذا الوجه يكون قوله تعالى :
يَجْحَدُونَ
في قراءة الجمهور بالتحتية جاريا على مقتضى الظاهر . وفي قراءة أبي بكر عن عاصم بالمثناة الفوقية التفاتا من الغيبة إلى خطابهم إقبالا عليهم بالخطاب لإدخال الروع في نفوسهم . وقد عدّي فعل
يَجْحَدُونَ
بالباء لتضمّنه معنى يكفرون ، وتكون الباء لتوكيد تعلّق الفعل بالمفعول مثل
وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ
[ سورة المائدة : 6 ] . وتقديم « بنعمة اللّه » على متعلّقة وهو
يَجْحَدُونَ
للرعاية على الفاصلة . [ 72 ]

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 72 ]

وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ( 72 ) عطف على التي قبلها ، وهو استدلال ببديع الصنع في خلق النسل إذ جعل مقارنا للتأنّس بين الزوجين ، إذ جعل النسل منهما ولم يجعله مفارقا لأحد الأبوين أو كليهما . وجعل النسل معروفا متصلا بأصوله بما ألهمه الإنسان من داعية حفظ النسب ، فهي من الآيات على انفراده تعالى بالوحدانية كما قال تعالى في سورة الروم [ 21 ] :
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
. فجعلها آية تنطوي على آيات ، ويتضمّن ذلك الصنع نعما كثيرة ، كما أشار إليه قوله تعالى :
وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ
.