تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
ومن الدّليل على القضاء وكونه * بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
ولذلك أسند التفضيل في الرزق إلى اللّه تعالى لأن أسبابه خارجة عن إحاطة عقول البشر ، والحكيم لا يستفزّه ذلك بعكس قول ابن الراوندي :
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه * وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأوهام حائرة * وصيّر العالم النّحرير زنديقا
وهذا الحكم دلّ على ضعف قائله في حقيقة العلم فكيف بالنّحريرية . وتفيد وراء الاستدلال معنى الامتنان لاقتضائها حصول الرزق للجميع . فجملة
وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ
مقدمة للدّليل ومنّة من المنن لأن التفضيل في الرزق يقتضي الإنعام بأصل الرزق . وليست الجملة مناط الاستدلال ، إنما الاستدلال في التمثيل من قوله تعالى :
فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ
الآية . والقول في جعل المسند إليه اسم الجلالة وبناء المسند الفعلي عليه كالقول في قوله تعالى :
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ
[ سورة النحل : 70 ] . والمعنى : اللّه لا غيره رزقكم جميعا وفضّل بعضكم على بعض في الرزق ولا يسعكم إلا الإقرار بذلك له . وقد تمّ الاستدلال عند قوله تعالى :
وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ
بطريقة الإيجاز ، كما قيل : لمحة دالة . وفرع على هذه الجملة تفريع بالفاء على وجه الإدماج قوله تعالى :
فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ
. وهو إدماج جاء على وجه التمثيل لتبيان ضلال أهل الشرك حين سوّوا بعض المخلوقات بالخالق فأشركوها في الإلهية فسادا في تفكيرهم . وذلك مثل ما كانوا يقولون في تلبية الحجّ ( لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ) . فمثل بطلان عقيدة الإشراك باللّه بعض مخلوقاته بحالة أهل النّعمة المرزوقين ، لأنهم لا يرضون أن يشركوا عبيدهم معهم في فضل رزقهم فكيف يسوّون باللّه عبيده في صفته العظمى وهي الإلهيّة . ورشاقة هذا الاستدلال أن الحالتين المشبّهتين والمشبّه بهما حالتا مولى وعبد ، كما قال تعالى :
ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 172 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور