تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 8

مساهمون:

ص٨
يوسف - عليه السّلام - بمصر . فقصّة يوسف - عليه السّلام - لم تكن معروفة للعرب قبل نزول القرآن إجمالا ولا تفصيلا ، بخلاف قصص الأنبياء : هود ، وصالح ، وإبراهيم ، ولوط ، وشعيب - عليهم السّلام أجمعين - ، إذ كانت معروفة لديهم إجمالا ، فلذلك كان القرآن مبيّنا إيّاها ومفصّلا . ونزولها قبل اختلاط النبي صلّى اللّه عليه وسلّم باليهود في المدينة معجزة عظيمة من إعلام اللّه تعالى إيّاه بعلوم الأوّلين ، وبذلك ساوى الصحابة علماء بني إسرائيل في علم تاريخ الأديان والأنبياء وذلك من أهم ما يعلمه المشرعون . فالمبين : اسم فاعل من أبان المتعدي . والمراد : الإبانة التامّة باللفظ والمعنى . [ 2 ]

[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 2 ]

إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 2 ) استئناف يفيد تعليل الإبانة من جهتي لفظه ومعناه ، فإنّ كونه قرآنا يدل على إبانة المعاني ، لأنّه ما جعل مقروءا إلّا لما في تراكيبه من المعاني المفيدة للقارئ . وكونه عربيا يفيد إبانة ألفاظه المعاني المقصودة للّذين خوطبوا به ابتداء ، وهم العرب ، إذ لم يكونوا يتبيّنون شيئا من الأمم التي حولهم لأنّ كتبهم كانت باللغات غير العربية . والتّأكيد ب ( إنّ ) متوجّه إلى خبرها وهو فعل
أَنْزَلْناهُ
ردّا على الذين أنكروا أن يكون منزلا من عند اللّه . وضمير
أَنْزَلْناهُ
عائد إلى
الْكِتابِ
في قوله :
الْكِتابِ الْمُبِينِ
[ سورة يوسف : 1 ] . و
قُرْآناً
حال من الهاء في
أَنْزَلْناهُ
، أي كتابا يقرأ ، أي منظما على أسلوب معدّ لأن يقرأ لا كأسلوب الرسائل والخطب أو الأشعار ، بل هو أسلوب كتاب نافع نفعا مستمرا يقرؤه الناس . و
عَرَبِيًّا
صفة ل
قُرْآناً
. فهو كتاب بالعربيّة ليس كالكتب السّالفة فإنّه لم يسبقه كتاب بلغة العرب . وقد أفصح عن التعليل المقصود جملة
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
، أي رجاء حصول العلم لكم من لفظه ومعناه ، لأنّكم عرب فنزوله بلغتكم مشتملا على ما فيه نفعكم هو سبب