تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤
إخوتهما أشدّ من رجائه منهما ، بناء على ما هو الشائع عند عامّة أهل البدو من الاعتزاز بالكثرة ، فظنوا مدارك يعقوب - عليه السّلام - مساوية لمدارك الدّهماء ، والعقول قلما تدرك مراقي ما فوقها ، ولم يعلموا أنّ ما ينظر إليه أهل الكمال من أسباب التفضيل غير ما ينظره من دونهم . وتكون جملة
إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
تعليلا للتعجّب وتفريعا عليه ، وضمير
وَنَحْنُ عُصْبَةٌ
لجميع الإخوة عدا يوسف - عليه السّلام - وأخاه . ويجوز أن تكون جملة
وَنَحْنُ عُصْبَةٌ
عطفا على جملة
لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا
. والمقصود لازم الخبر وهو تجرئة بعضهم بعضا عن إتيان العمل الذي سيغريهم به في قولهم :
اقْتُلُوا يُوسُفَ
[ سورة يوسف : 9 ] ، أي إنّا لا يعجزنا الكيد ليوسف - عليه السّلام - وأخيه فإنّا عصبة والعصبة يهون عليهم العمل العظيم الذي لا يستطيعه العدد القليل كقوله :
قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ
[ سورة يوسف : 14 ] ، وتكون جملة
إِنَّ أَبانا
تعليلا للإغراء وتفريعا عليه . و « العصبة : اسم جمع لا واحد له من لفظه ، مثل أسماء الجماعات ، ويقال : العصابة . قال جمهور اللّغويين : تطلق العصبة على الجماعة من عشرة إلى أربعين » . وعن ابن عبّاس أنّها من ثلاثة إلى عشرة ، وذهب إليه بعض أهل اللغة وذكروا أنّ في مصحف حفصة قوله تعالى : « إن الذين جاءوا بالإفك عصبة أربعة
مِنْكُمْ »
. وكان أبناء يعقوب - عليه السّلام - اثني عشر ، وهم الأسباط . وقد تقدّم الكلام عليهم عند قوله تعالى : أم يقولون
إِنَّ إِبْراهِيمَ
الآية في سورة البقرة [ 140 ] . والضلال إخطاء مسلك الصّواب . وإنّما : أراد وأخطأ التّدبير للعيش لا الخطأ في الدين والاعتقاد . والتخطئة في أحوال الدّنيا لا تنافي الاعتراف للمخطئ بالنبوءة . [ 9 ]

[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 9 ]

اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ ( 9 ) جملة مستأنفة استئنافا بيانيّا لأنّ الكلام المتقدم يثير سؤالا في نفوس السّامعين عن غرض القائلين ممّا قالوه فهذا المقصود للقائلين . وإنّما جعلوا له الكلام السابق كالمقدمة لتتأثّر نفوس السّامعين فإذا ألقي إليها المطلوب كانت سريعة الامتثال إليه .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 24 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور