وفي بلاغة نظمها وفصاحتها من الإعجاز ما هو دليل على أنّ هذا الكلام من صنع اللّه ألقاه إلى رسوله - صلّى اللّه عليه وسلّم - معجزة له على قومه أهل الفصاحة والبلاغة .
والسائلون : مراد منهم من يتوقع منه السؤال عن المواعظ والحكم كقوله تعالى :
فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ
[ سورة فصلت : 10 ] . ومثل هذا يستعمل في كلام العرب للتشويق ، والحثّ على تطلب الخبر والقصة . قال طرفة :
سائلوا عنّا الذي يعرفنا * بقوانا يوم تحلاق اللمم
وقال السموأل أو عبد الملك الحارثي :
سلي إن جهلت الناس عنّا وعنهم * فليس سواء عالم وجهول
وقال عامر بن الطفيل :
طلّقت إن لم تسألي أيّ فارس * حليلك إذ لاقى صداء وخثعما
وقال أنيف بن زبان النبهاني :
فلمّا التقينا بين السّيف بيننا * لسائلة عنا حفي سؤالها
وأكثر استعمال ذلك في كلامهم يكون توجيهه إلى ضمير الأنثى ، لأنّ النساء يعنين بالسؤال عن الأخبار التي يتحدث الناس بها ، ولمّا جاء القرآن وكانت أخباره التي يشوق إلى معرفتها أخبار علم وحكمة صرف ذلك الاستعمال عن التوجيه إلى ضمير النسوة ، ووجّه إلى ضمير المذكّر كما في قوله :
سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ
[ سورة المعارج : 1 ] وقوله :
عَمَّ يَتَساءَلُونَ
[ سورة النبأ : 1 ] .
وقيل المراد ب ( السائلين ) اليهود إذ سأل فريق منهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك . وهذا لا يستقيم لأنّ السورة مكيّة ولم يكن لليهود مخالطة للمسلمين بمكة .
[ 8 ]
[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 8 ]
إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 8 )
إِذْ
ظرف متعلق ب ( كان ) من قوله :
لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ
[ سورة يوسف : 7 ] ، فإنّ ذلك الزمان موقع من مواقع الآيات فإن في قولهم ذلك حينئذ عبرة من عبر الأخلاق التي تنشأ من حسد الإخوة والأقرباء ، وعبرة من المجازفة في تغليطهم أباهم ، واستخفافهم برأيه غرورا منهم ، وغفلة عن مراتب موجبات ميل الأب إلى