تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
والخطاب في
لَنُسْكِنَنَّكُمُ
للرسل والذين آمنوا بهم ، فلا يقتضي أن يسكن الرسول بأرض عدوه بل يكفي أن يكون له السلطان عليها وأن يسكنها المؤمنون ، كما مكن اللّه لرسوله مكة وأرض الحجاز وأسكنها الذين آمنوا بعد فتحها .
ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ
( 14 ) .
ذلِكَ
إشارة إلى المذكور من الإهلاك والإسكان المأخوذين من
لَنُهْلِكَنَّ
، و
لَنُسْكِنَنَّكُمُ
. عاد إليهما اسم الإشارة بالإفراد بتأويل المذكور ، كقوله :
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً
[ سورة الفرقان : 68 ] . واللام للملك ، أي ذلك عطاء وتمليك لمن خاف مقامي ، كقوله تعالى :
ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ
[ سورة البينة : 8 ] . والمعنى : ذلك الوعد لمن خاف مقامي ، أي ذلك لكم لأنكم خفتم مقامي ، فعدل عن ضمير الخطاب إلى
لِمَنْ خافَ مَقامِي
لدلالة الموصول على الإيماء إلى أن الصلة علة في حصول تلك العطية . ومعنى
خافَ مَقامِي
خافني ، فلفظ مقام مقحم للمبالغة في تعلق الفعل بمفعوله ، كقوله تعالى :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
[ الرحمن : 46 ] ، لأن المقام أصله مكان القيام ، وأريد فيه بالقيام مطلق الوجود لأن الأشياء تعتبر قائمة ، فإذا قيل
خافَ مَقامِي
كان فيه من المبالغة ما ليس في ( خافني ) بحيث إن الخوف يتعلق بمكان المخوف منه . كما يقال : قصّر في جانبي . ومنه قوله تعالى :
عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ
[ سورة الزمر : 56 ] . وكل ذلك كناية عن المضاف إليه كقول زياد الأعجم :
إن السماحة والمروءة والندى * في قبة ضربت على ابن الحشرج
أي في ابن الحشرج من غير نظر إلى وجود قبة . ومنه ما في الحديث « إن اللّه لما خلق الرحم أخذت بساق العرش وقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة » ، أي هذا العائذ بك القطيعة . وخوف اللّه : هو خوف غضبه لأن غضب اللّه أمر مكروه لدى عبيده . وعطف جملة
وَخافَ وَعِيدِ
على
خافَ مَقامِي
مع إعادة فعل
خافَ
دون اكتفاء بعطف
وَعِيدِ
على
مَقامِي
لأن هذه الصلة وإن كان صريحها ثناء على