تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
[ 11 ، 12 ]

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 11 إلى 12 ]

قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 11 ) وَما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 12 ) قول الرسل
إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
جواب بطريق القول بالموجب في علم آداب البحث ، وهو تسليم الدليل مع بقاء النزاع ببيان محل الاستدلال غير تام الإنتاج ، وفيه إطماع في الموافقة . ثم كرّ على استدلالهم المقصود بالإبطال بتبيين خطئهم . ونظيره قوله تعالى :
يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ
[ سورة المنافقون : 8 ] . وهذا النوع من القوادح في علم الجدل شديد الوقع على المناظر ، فليس قول الرسل
إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
تقريرا للدليل ولكنه تمهيد لبيان غلط المستدل في الاستنتاج من دليله . ومحل البيان هو الاستدراك في قوله :
وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
[ سورة إبراهيم : 11 ] . والمعنى : أن المماثلة في البشرية لا تقتضي المماثلة في زائد عليها فالبشر كلهم عباد اللّه واللّه يمنّ على من يشاء من عباده بنعم لم يعطها غيرهم . فالاستدراك رفع لما توهموه من كون المماثلة في البشرية مقتضى الاستواء في كل خصلة . وأورد الشيخ محمّد بن عرفة في « التفسير » وجها للتفرقة بين هذه الآية إذ زيد فيها كلمة
لَهُمْ
في قوله :
قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ
[ سورة إبراهيم : 10 ] وبين الآية التي قبلها إذ قال فيها
قالَتْ رُسُلُهُمْ
بوجهين : أحدهما : أن هذه المقالة خاصة بالمكذّبين من قومهم يقولونها لغيرهم إذ هو جواب عن كلام صدر منهم والمقالة الأولى يقولونها لهم ولغيرهم ، أي للمصدقين والمكذبين . وثانيهما : أن وجود اللّه أمر نظري ، فكان كلام الرسل في شأنه خطابا لعموم قومهم ، وأما بعثة الرسل فهي أمر ضروري ظاهر لا يحتاج إلى نظر ، فكأنه قال : ما قالوا هذا إلا للمكذبين لغباوتهم وجهلهم لا لغيرهم . وأجاب الأبي أن
أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ
خطاب لمن عاند في أمر ضروري ، فكأنّ