تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
مفعولا ل
يَيْأَسِ
. ويجوز أن يكون متعلق
يَيْأَسِ
محذوفا دل عليه المقام . تقديره : من إيمان هؤلاء ، ويكون
أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ
مجرورا بلام تعليل محذوفة . والتقدير : لأنه لو يشاء اللّه لهدى الناس ، فيكون تعليلا لإنكار عدم يأسهم على تقدير حصوله .
وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ
. معطوفة على جملة
وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ
على بعض الوجوه في تلك الجملة . وهي تهديد بالوعيد على تعنتهم وإصرارهم على عدم الاعتراف بمعجزة القرآن ، وتهكمهم باستعجال العذاب الذي توعدوا به ، فهددوا بما سيحلّ بهم من الخوف بحلول الكتائب والسرايا بهم تنال الذين حلّت فيهم وتخفيف من حولهم حتى يأتي وعد اللّه بيوم بدر أو فتح مكّة . واستعمال
لا يَزالُ
في أصلها تدل على الإخبار باستمرار شيء واقع ، فإذا كانت هذه الآية مكية تعين أن تكون نزلت عند وقوع بعض الحوادث المؤلمة بقريش من جوع أو مرض ، فتكون هذه الآية تنبيها لهم بأن ذلك عقاب من اللّه تعالى ووعيد بأن ذلك دائم فيهم حتى يأتي وعد للّه . ولعلها نزلت في مدة إصابتهم بالسنين السبع المشار إليها بقوله تعالى :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ
[ سورة البقرة : 155 ] . ومن جعلوا هذه السورة مدنية فتأويل الآية عندهم أن القارعة السرية من سرايا المسلمين التي تخرج لتهديد قريش ومن حولهم . وهو لا ملجئ إليه . والقارعة : في الأصل وصف من القرع ، وهو ضرب جسم بجسم آخر . يقال : قرع الباب إذا ضربه بيده بحلقة . ولما كان القرع يحدث صوتا مباغتا يكون مزعجا لأجل تلك البغتة صار القرع مجازا للمباغتة والمفاجأة ، ومثله الطّرق . وصاغوا من هذا الوصف صيغة تأنيث إشارة إلى موصوف ملتزم الحذف اختصارا لكثرة الاستعمال ، وهو ما يؤوّل بالحادثة أو الكائنة أو النازلة ، كما قالوا : داهية وكارثة ، أي نازلة موصوفة بالإزعاج فإن بغت المصائب أشد وقعا على النفس . ومنه تسمية ساعة البعث بالقارعة . والمراد هنا الحادثة المفجعة بقرينة إسناد الإصابة إليها . وهي مثل الغارة والكارثة تحلّ فيهم فيصيبهم عذابها ، أو تقع بالقرب منهم فيصيبهم الخوف من تجاوزها إليهم ،