تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
الاضطراب . وتقدم عند قوله تعالى :
وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
في سورة البقرة [ 260 ] . و ( ذكر اللّه ) يجوز أن يراد به خشية اللّه ومراقبته بالوقوف عند أمره ونهيه . ويجوز أن يراد به القرآن قال :
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ
[ سورة الزخرف : 44 ] ، وهو المناسب قولهم :
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ
. وعلى هذا المعنى جاء قوله تعالى في سورة الزمر :
فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ
[ سورة الزمر : 22 ] ، أي للذين كان قد زادهم قسوة قلوب ، وقوله في آخرها :
ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ
[ سورة الزمر : 23 ] . والذكر من أسماء القرآن ، ويجوز أن يراد ذكر اللّه باللسان فإن إجراءه على اللسان ينبه القلوب إلى مراقبته . وهذا وصف لحسن حال المؤمنين ومقايسته بسوء حالة الكافرين الذين غمر الشك قلوبهم ، قال تعالى :
بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا
[ سورة المؤمنون : 63 ] . واختير المضارع في
تَطْمَئِنُّ
مرتين لدلالته على تجدد الاطمئنان واستمراره وأنه لا يتخلله شك ولا تردد . وافتتحت جملة
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ
بحرف التنبيه اهتماما بمضمونها وإغراء بوعيه . وهي بمنزلة التذييل لما في تعريف
الْقُلُوبُ
من التعميم . وفيه إثارة الباقين على الكفر على أن يتسموا بسمة المؤمنين من التدبير في القرآن لتطمئن قلوبهم ، كأنه يقول : إذا علمتم راحة بال المؤمنين فما ذا يمنعكم بأن تكونوا مثلهم فإن تلك في متناولكم لأن ذكر اللّه بمسامعكم . وطوبى : مصدر من طاب طيبا إذا حسن ، وهي بوزن البشرى والزلفى ، قلبت ياؤها واوا لمناسبة الضمة ، أي لهم الخير الكامل لأنهم اطمأنت قلوبهم بالذكر ، فهم في طيب حال : في الدنيا بالاطمئنان ، وفي الآخرة بالنعيم الدائم وهو حسن المئاب وهو مرجعهم في آخر أمرهم . وإطلاق المآب عليه باعتبار أنه آخر أمرهم وقرارهم كما أن قرار المرء بيته يرجع إليه بعد الانتشار منه . على أنه يناسب ما تقرر أن الأرواح من أمر اللّه ، أي من عالم الملكوت وهو عالم الخلد فمصيرها إلى الخلد رجوع إلى عالمها الأول . وهذا مقابل قوله في المشركين
وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ
. واللام في قوله :
لَهُمُ
للملك .