تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
يسألها من اللّه فتعيّن أنّه سأل له المغفرة ، ويدلّ لذلك قوله تعالى :
فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
كما سيأتي . ويجوز أن يكون دعاء نوح - عليه السّلام - هذا وقع قبل غرق النّاس ، أي نادى ربّه أن ينجي ابنه من الغرق . ويجوز أن يكون بعد غرق من غرقوا ، أي نادى ربّه أن يغفر لابنه وأن لا يعامله معاملة الكافرين في الآخرة . والنّداء هنا نداء دعاء فكأنّه قيل : ودعا نوح ربّه ، لأنّ الدعاء يصدّر بالنّداء غالبا ، والتّعبير عن الجلالة بوصف الربّ مضافا إلى نوح - عليه السّلام - تشريف لنوح وإيماء إلى رأفة اللّه به وأن نهيه الوارد بعده نهي عتاب . وجملة
فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي
بيان للنّداء ، ومقتضى الظّاهر أن لا تعطف بفاء التفريع كما لم يعطف البيان في قوله تعالى :
إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي
[ مريم : 3 ، 4 ] ، وخولف ذلك هنا . ووجّه في « الكشاف » اقترانه بالفاء بأنّ فعل
نادى
مستعمل في إرادة النداء ، أي مثل فعل ( قمتم ) في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ
[ المائدة : 6 ] الآية ، يريد أن ذلك إخراج للكلام على خلاف مقتضى الظاهر فإنّ وجود الفاء في الجملة التي هي بيان للنداء قرينة على أن فعل
نادى
مستعار لمعنى إرادة النداء ، أي أراد نداء ربه فأعقب إرادته بإصدار النداء ، وهذا إشارة إلى أنه أراد النداء فتردّد في الإقدام عليه لما علم من قوله تعالى :
إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ
[ هود : 40 ] فلم يطل تردّده لمّا غلبته الشفقة على ابنه فأقدم على نداء ، ربه ، ولذلك قدم الاعتذار بقوله :
إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي
. فقوله :
إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي
خبر مستعمل في الاعتذار والتمهيد لأنّه يريد أن يسأل سؤالا لا يدري قبوله ولكنّه اقتحمه لأن المسؤول له من أهله فله عذر الشفقة عليه . وتأكيد الخبر ب
إِنَّ
للاهتمام به . وكذلك جملة
وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ
خبر مستعمل في لازم الفائدة . وهو أنّه يعلم أن وعد اللّه حق . والمراد بالوعد ما في قوله تعالى :
إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ
[ المؤمنون : 37 ] إذ أفاد ذلك أن بعض أهله قد سبق من اللّه تقدير بأنّه لا يركب السفينة . وهذا الموصول متعيّن لكونه صادقا على ابنه إذ ليس غيره من أهله
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 269 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور