ولذلك عقب بتسليته بجملة
فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ
فالفاء لتفريع التسلية على الخبر المحزن .
والابتئاس افتعال من البؤس وهو الهم والحزن ، أي لا تحزن .
ومعنى الافتعال هنا التأثر بالبؤس الذي أحدثه الخبر المذكور .
بِما كانُوا يَفْعَلُونَ
هو إصرارهم على الكفر واعتراضهم عن النظر في الدعوة إلى وقت أن أوحي إليه هذا .
قال اللّه تعالى حكاية عنه :
فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً
[ نوح : 6 ، 7 ] .
وتأكيد الفعل ب
قَدْ
في قوله :
مَنْ قَدْ آمَنَ
للتنصيص على أن المراد من حصل منهم الإيمان يقينا دون الذين ترددوا .
[ 37 ]
[ سورة هود ( 11 ) : آية 37 ]
وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ( 37 )
لما كان نهيه عن الابتئاس بفعلهم مع شدة جرمهم مؤذنا بأن اللّه ينتصر له ، أعقبه بالأمر بصنع الفلك لتهيئة نجاته ونجاة من قد آمن به من العذاب الذي قدره اللّه لقومه ، كما حكى اللّه عنه
فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ
[ القمر : 10 ، 11 ] الآية ، فجملة
وَاصْنَعِ الْفُلْكَ
عطف على جملة
فَلا تَبْتَئِسْ
[ هود : 36 ] وهي بذلك داخلة في الموحى به فتدل على أن اللّه أوحى إليه كيفية صنع الفلك كما دل عليه قوله :
وَوَحْيِنا
، ولذلك فنوح - عليه السّلام - أول من صنع الفلك ولم يكن ذلك معروفا للبشر ، وكان ذلك منذ قرون لا يحصيها إلّا اللّه تعالى ، ولا يعتد بما يوجد في الإسرائيليات من إحصاء قرونها .
والفلك اسم يستوي فيه المفرد والجمع . وقد تقدم عند قوله تعالى :
وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ
في سورة البقرة [ 164 ] .
والباء في
بِأَعْيُنِنا
للملابسة وهي في موضع الحال من ضمير ( اصنع ) .
والأعين استعارة للمراقبة والملاحظة . وصيغة الجمع في
بِأَعْيُنِنا
بمعنى المثنى ، أي بعينينا ، كما في قوله :
وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا
[ الطور : 48 ] . والمراد الكناية بالمعنى المجازي عن لازمه وهو الحفظ من الخلل والخطأ في الصنع .