تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
تبعة افترائه على نفسه لا ينالهم منها شيء . وتقديم ( عليّ ) مؤذن بالقصر ، أي إجرامي عليّ لا عليكم فلما ذا تكثرون ادّعاء الافتراء كأنكم ستؤاخذون بتبعته . وهذا جار على طريقة الاستدراج لهم والكلام المنصف . ومعنى جعل الافتراء فعلا للشرط : أنه إن كان وقع الافتراء كقوله :
إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ
[ المائدة : 116 ] . ولما كان الافتراء على اللّه إجراما عدل في الجواب عن التعبير بالافتراء مع أنه المدعى إلى التعبير بالإجرام فلا حاجة إلى تقدير : فعليّ إجرام افترائي . وذكر حرف ( على ) مع الإجرام مؤذن بأن الإجرام مؤاخذ به كما تقتضيه مادة الإجرام . والإجرام : اكتساب الجرم وهو الذنب ، فهو يقتضي المؤاخذة لا محالة . وجملة
وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ
معطوفة على جملة الشرط والجزاء ، فهي ابتدائية . وظاهرها أنها تذييل للكلام وتأييده بمقابله ، أي فإجرامي عليّ لا عليكم كما أن إجرامكم لا تنالني منه تبعة . ولا حاجة إلى تقدير المضاف في قوله :
مِمَّا تُجْرِمُونَ
أي تبعته وإنما هو تقدير معنى لا تقدير إعراب ، والشيء يؤكد بضدّه كقوله :
لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ
[ الكافرون : 2 ، 3 ] . وفي هذه الجملة توجيه بديع وهو إفادة تبرئة نفسه من أن يفتري القرآن فإنّ افتراء القرآن دعوى باطلة ادعوها عليه فهي إجرام منهم عليه ، فيكون المعنى وأنا بريء من قولكم الذي تجرمونه عليّ باطلا . [ 36 ]

[ سورة هود ( 11 ) : آية 36 ]

وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 36 ) عطف على جملة
قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا
[ هود : 32 ] أي بعد ذلك أوحي إلى نوح - عليه السّلام -
أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ
. واسم ( أن ) ضمير الشأن دال على أن الجملة بعده أمرهم خطير لأنها تأييس له من إيمان بقية قومه كما دل حرف
لَنْ
المفيد تأبيد النفي في المستقبل ، وذلك شديد عليه
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 254 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور