تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
و ( لولا ) حرف يرد لمعان منها التوبيخ ، وهو هنا مستعمل في لازم التوبيخ كناية عن التغليط ، لأن أهل القرى قد انقضوا ، وذلك أن أصل معنى ( لولا ) التحضيض ، وهو طلب الفعل بحثّ ، فإذا دخلت على فعل قد فات وقوعه كانت مستعملة في التغليط والتنديم والتوبيخ على تفويته ، ويكون ما بعدها في هذا الاستعمال فعل مضي مثل قوله تعالى :
وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا
[ النور : 16 ] . وإذا توجه الكلام الذي فيه ( لولا ) إلى غير صاحب الفعل الذي دخلت عليه كانت مستعملة في التعجيب من حال المتحدث عنه ، كقوله :
لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ
[ النور : 13 ] وقوله :
فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا
[ الأنعام : 43 ] وهذه الآية أصرح في ذلك لوجود ( كان ) الدالة على المضي والانقضاء . والمقصود : التعريض بأن مشركي أهل مكة يوشك أن يكونوا على سنن أهل القرى . قال تعالى :
ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ
[ الأنبياء : 6 ] ، ونظير هذه الآية استعمالا ومعنى قوله تعالى :
فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ
[ هود : 116 ] ، وذلك تعريض بتحريض أهل مكة على الإيمان قبل نزول العذاب . والمستخلص من الروايات الواردة في قوم يونس أنهم بادروا إلى الإيمان بعد أن فارقهم يونس ، توقعا لنزول العذاب ، وقبل أن ينزل بهم العذاب ، وذلك دليل على أن معاملة اللّه إياهم ليست مخالفة لما عامل به غيرهم من أهل القرى ، وأن ليست لقوم يونس خصوصية ، وبذلك لا يكون استثنائهم استثناء منقطعا . وإذ كان الكلام تغليطا لأهل القرى المعرضين عن دعوة الرسل ، وتعريضا بالتحذير مما وقعوا فيه . كان الكلام إثباتا صريحا ووقوع قرية وهو نكرة في مساق الإثبات أفاد العموم بقرينة السياق مثل قول الحريري : « يا أهل ذا المغني وقيتم ضرا » أي كل ضر لا ضرا معينا ، وبقرينة الاستثناء فإنه معيار العموم ، وهذا الاستثناء من كلام موجب فلذلك انتصب قوله :
إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ
فهذا وجه تفسير الآية . وجرى عليه كلام العكبري في « إعراب القرآن » ، والكواشي في « التخليص » وجمهور المفسرين جعلوا جملة :
فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ
في قوة المنفية ، وجعلوا الاستثناء منقطعا منصوبا ولا داعي إلى ذلك . وجملة :
لَمَّا آمَنُوا
مستأنفة لتفصيل مجمل معنى الاستثناء . وفي الآية إيماء إلى أن أهل مكة يعاملهم اللّه معاملة قوم يونس إذ آمنوا عند رؤية العذاب . وذلك حالهم عندما تسامعوا بقدوم جيش غزوة الفتح الذي لا قبل لهم به عدة وعدة ، فيكاد يحل بهم عذاب