تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
[ يونس : 53 ] إعلاما لهم بهول ذلك العذاب عساهم أن يحذروه ، ولذلك حذف المتعلّق الثاني لفعل ( افتدت ) لأنه يقتضي مفديا به ومفديا منه ، أي لافتدت به من العذاب . والمعنى أن هذا العذاب لا تتحمله أية نفس على تفاوت الأنفس في احتمال الآلام ، ولذلك ذكر
لِكُلِّ نَفْسٍ
دون أن يقال ولو أن لكم ما في الأرض لافتديتم به . وجملة
أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ
واقعة موقع شرط ( لو ) . و
ما فِي الْأَرْضِ
اسم ( أن ) . و
لِكُلِّ نَفْسٍ
خبر ( أن ) وقدم على الاسم للاهتمام بما فيه من العموم بحيث ينص على أنه لا تسلم نفس من ذلك . وجملة
ظَلَمَتْ
صفة ل
لِكُلِّ نَفْسٍ
. وجملة :
لَافْتَدَتْ بِهِ
جواب ( لو ) . فعموم
لِكُلِّ نَفْسٍ
يشمل نفوس المخاطبين مع غيرهم . ومعنى
ظَلَمَتْ
أشركت ، وهو ظلم النفس
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
[ لقمان : 13 ] . و
ما فِي الْأَرْضِ
يعم كل شيء في ظاهر الأرض وباطنها لأن الظرفية ظرفية جمع واحتواء . و ( افتدى ) مرادف فدى . وفيه زيادة تاء الافتعال لتدل على زيادة المعنى ، أي لتكلفت فداءها به .
وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
جملة مستأنفة معطوفة عطف كلام على كلام . وضمير
أَسَرُّوا
عائد إلى
لِكُلِّ نَفْسٍ
باعتبار المعنى مع تغليب المذكر على المؤنث ، وعبر عن الإسرار المستقبلي بلفظ الماضي تنبيها على تحقيق وقوعه حتى كأنّه قد مضى ، والمعنى : وسيسرّون الندامة قطعا . وكذلك قوله :
وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ
. والندامة : الندم ، وهو أسف يحصل في النفس على تفويت شيء ممكن عمله في الماضي ، والندم من هواجس النفس ، فهو أمر غير ظاهر ولكنه كثير ، أي يصدر عن صاحبه قول أو فعل يدل عليه ، فإذا تجلد صاحب الندم فلم يظهر قولا ولا فعلا فقد أسر الندامة ، أي قصرها على سره فلم يظهرها بإظهار بعض آثارها ، وإنما يكون ذلك من شدة الهول ؛ فإنما أسروا الندامة لأنهم دهشوا لرؤية ما لم يكونوا يحتسبون فلم يطيقوا صراخا ولا عويلا .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 106 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور