تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
كالذين نسوه أو تناسوه حين لم يخفوا إلى النفير الذي استنفروه إشارة إلى أن الوعد بذلك قديم متكرر معروف في الكتب السماوية . والاشتراء : مستعار للوعد بالجزاء عن الجهاد ، كما دل عليه قوله :
وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا
بمشابهة الوعد الاشتراء في أنه إعطاء شيء مقابل بذل من الجانب الآخر . ولما كان شأن الباء أن تدخل على الثمن في صيغ الاشتراء أدخلت هنا في
بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ
لمشابهة هذا الوعد الثمن . وليس في هذا التركيب تمثيل إذ ليس ثمة هيئة مشبهة وأخرى مشبه بها . والمراد بالمؤمنين في الأظهر أن يكون مؤمني هذه الأمة . وهو المناسب لقوله بعد :
فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ
. ويكون معنى قوله :
وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ
ما جاء في التوراة والإنجيل من وصف أصحاب الرسول الذي يختم الرسالة . وهو ما أشار إليه قوله تعالى :
وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
- إلى قوله -
ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ
- إلى قوله -
لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ
[ الفتح : 29 ] . ويجوز أن يكون جميع المؤمنين بالرسل - عليهم الصلاة والسلام - وهو أنسب لقوله :
فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ
، وحينئذ فالمراد الذين أمروا منهم بالجهاد ومن أمروا بالصبر على اتباع الدين من أتباع دين المسيحية على وجهها الحق فإنهم صبروا على القتل والتعذيب . فإطلاق المقاتلة في سبيل اللّه على صبرهم على القتل ونحوه مجاز ، وبذلك يكون فعل
يُقاتِلُونَ
مستعملا في حقيقته ومجازه . واللام في
لَهُمُ الْجَنَّةَ
للملك والاستحقاق . والمجرور مصدر ، والتقدير : بتحقيق تملكهم الجنة ، وإنما لم يقل بالجنة لأن الثمن لما كان آجلا كان هذا البيع من جنس السلم . وجملة :
يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
مستأنفة استئنافا بيانيا ، لأن اشتراء الأنفس والأموال لغرابته في الظاهر يثير سؤال من يقول : كيف يبذلون أنفسهم وأموالهم ؟ فكان جوابه
يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
إلخ . قال الطيبي : « فقوله
يُقاتِلُونَ
بيان ، لأن مكان التسليم هو المعركة ، لأن هذا البيع سلم ، ومن ثم قيل
بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ
ولم يقل بالجنة . وأتي بالأمر في صورة الخبر ثم
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 209 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور