تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
فكأنه قيل : يقبل التوبة ويتجاوز عن عباده . وكان حق تعدية فعل ( يقبل ) أن يكون بحرف ( من ) . ونقل الفخر عن القاضي عبد الجبار أنه قال : لعل ( عن ) أبلغ لأنه ينبئ عن القبول مع تسهيل سبيله إلى التوبة التي قبلت . ولم يبين وجه ذلك ، وأحسب أنه يريد ما أشرنا إليه من تضمين معنى التجاوز . وجيء بالخبر في صورة كلية لأن المقصود تعميم الخطاب ، فالمراد ب
عِبادِهِ
جميع الناس مؤمنهم وكافرهم لأن التوبة من الكفر هي الإيمان . والآية دليل على قبول التوبة قطعا إذا كانت توبة صحيحة لأن اللّه أخبر بذلك في غير ما آية . وهذا متفق عليه بالنسبة لتوبة الكافر عن كفره لأن الأدلة بلغت مبلغ التواتر بالقول والعمل . ومختلف فيه بالنسبة لتوبة المؤمن من المعاصي لأن أدلته لا تعدو أن تكون دلالة ظواهر ؛ فقال المحققون من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين . مقبولة قطعا . ونقل عن الأشعري وهو قول المعتزلة واختاره ابن عطية وأبوه وهو الحق . وادعى الإمام في « المعالم » الإجماع عليه وهي أولى بالقبول . وقال الباقلاني وإمام الحرمين والمازري : إنما يقطع بقبول توبة طائفة غير معينة ، يعنون لأن أدلة قبول جنس التوبة على الجملة متكاثرة متواترة بلغت مبلغ القطع ولا يقطع بقبول توبة تائب بخصوصه . وكأنّ خلاف هؤلاء يرجع إلى عدم القطع بأن التائب المعين تاب توبة نصوحا . وفي هذا نظر لأن الخلاف في توبة مستوفية أركانها وشروطها . وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ
« 1 »
السُّوءَ بِجَهالَةٍ
الآية في سورة النساء [ 17 ] . والأخذ في قوله :
وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ
[ التوبة : 104 ] مستعمل في معنى القبول ، لظهور أن اللّه لا يأخذ الصدقة أخذا حقيقيا ، فهو مستعار للقبول والجزاء على الصدقة . وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وأبو جعفر وخلف
مُرْجَوْنَ
بسكون الواو بدون همز على أنه اسم مفعول من أرجاه بالألف ، وهو مخفف أرجأه بالهمز إذا أخره ، فيقال في مضارعه المخفف : أرجيته بالياء ، كقوله :
تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ
[ الأحزاب : 51 ] بالياء ، فأصل مرجون مرجيون . وقرأ البقية
مُرْجَوْنَ
بهمز بعد الجيم على أصل الفعل كما قرئ ترجئ من تشاء [ الأحزاب : 51 ] . واللام في قوله :
لِأَمْرِ اللَّهِ
للتعليل ، أي مؤخرون لأجل أمر اللّه في شأنهم . وفيه حذف مضاف ، تقديره : لأجل انتظار
هامش
( 1 ) في المطبوعة ( يعلمون ) وهو خطأ .