أن يفهم أباللّه كنتم تستهزئون أم لم تكونوا مستهزءين .
والاستهزاء باللّه وبآياته إلزام لهم : لأنّهم استهزءوا برسوله وبدينه ، فلزمهم الاستهزاء بالذي أرسله بآيات صدقه .
[ 66 ]
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 66 ]
لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ ( 66 )
لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ
.
لمّا كان قولهم :
إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ
[ التوبة : 65 ] اعتذارا عن مناجاتهم ، أي إظهارا للعذر الذي تناجوا من أجله ، وأنّه ما يحتاجه المتعب : من الارتياح إلى المزح والحديث في غير الجدّ ، فلمّا كشف اللّه أمر استهزائهم ، أردفه بإظهار قلّة جدوى اعتذارهم إذ قد تلبّسوا بما هو أشنع وأكبر ممّا اعتذروا عنه ، وهو التباسهم بالكفر بعد إظهار الإيمان . فإن اللّه لمّا أظهر نفاقهم . كان ما يصدر عنهم من الاستهزاء أهون فجملة
لا تَعْتَذِرُوا
من جملة القول الذي أمر الرسول أن يقوله ، وهي ارتقاء في توبيخهم ، فهي متضمّنة توكيدا لمضمون جملة
أَ بِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ
[ التوبة : 65 ] ، مع زيادة ارتقاء في التوبيخ وارتقاء في مثالبهم بأنّهم تلبّسوا بما هو أشدّ وهو الكفر ، فلذلك قطعت الجملة عن التي قبلها ، على أنّ شأن الجمل الواقعة في مقام التوبيخ أن تقطع ولا تعطف لأنّ التوبيخ يقتضي التعداد ، فتقع الجمل الموبّخ بها موقع الأعداد المحسوبة نحو واحد ، اثنان ، فالمعنى لا حاجة بكم للاعتذار عن التناجي فإنّكم قد عرفتم بما هو أعظم وأشنع .
والنهي مستعمل في التسوية وعدم الجدوى .
وجملة :
قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ
في موضع العلّة من جملة :
لا تَعْتَذِرُوا
تعليلا للنهي المستعمل في التسوية وعدم الجدوى .
وقوله :
قَدْ كَفَرْتُمْ
يدلّ على وقوع الكفر في الماضي ، أي قبل الاستهزاء ، وذلك أنّه قد عرف كفرهم من قبل . والمراد بإسناد الإيمان إليهم : إظهار الإيمان ، وإلّا فهم لم يؤمنوا إيمانا صادقا . والمراد بإيمانهم : إظهارهم الإيمان ، لا وقوع حقيقته . وقد أنبأ عن ذلك إضافة الإيمان إلى ضميرهم دون تعريف الإيمان باللام المفيدة للحقيقة ، أي بعد إيمان هو من شأنكم ، وهذا تعريض بأنّه الإيمان الصوري غير الحقّ ونظيره قوله تعالى