المؤمنين وفريق من المنافقين أنفسهم مبثوثون بين المؤمنين لإلقاء الأراجيف والفتنة وهم الأكثر فكان اجتلاب حرف ( في ) إيفاء بحقّ هذا الإيجاز البديع ولأنّ ذلك هو الملائم لمحملي لفظ
سَمَّاعُونَ
فقد حصلت به فائدتان .
وجملة
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ
تذييل قصد منه إعلام المسلمين بأنّ اللّه يعلم أحوال المنافقين الظالمين ليكونوا منهم على حذر ، وليتوسّموا فيهم ما وسمهم القرآن به ، وليعلموا أنّ الاستماع لهم هو ضرب من الظلم .
والظلم هنا الكفر والشرك
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
[ لقمان : 13 ] .
[ 48 ]
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 48 ]
لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ ( 48 )
الجملة تعليل لقوله :
يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ
[ التوبة : 47 ] لأنّها دليل بأنّ ذلك ديدن لهم من قبل ، إذ ابتغوا الفتنة للمسلمين وذلك يوم أحد إذ انخزل عبد اللّه بن أبي ابن سلول ومن معه من المنافقين بعد أن وصلوا إلى أحد ، وكانوا ثلث الجيش قصدوا إلقاء الخوف في نفوس المسلمين حين يرون انخزال بعض جيشهم وقال ابن جريج : الذين ابتغوا الفتنة اثنا عشر رجلا من المنافقين ، وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة ليفتكوا بالنبيء صلى اللّه عليه وسلم .
و
قَلَّبُوا
بتشديد اللام مضاعف قلب المخفف ، والمضاعفة للدلالة على قوة الفعل .
فيجوز أن يكون من قلب الشيء إذا تأمل باطنه وظاهره ليطّلع على دقائق صفاته فتكون المبالغة راجعة إلى الكمّ أي كثرة التقليب ، أي ترددوا آراءهم وأعلموا المكائد والحيل للإضرار بالنبيء صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين .
ويجوز أن يكون
قَلَّبُوا
من قلب بمعنى فتّش وبحث ، استعير التقليب للبحث والتفتيش لمشابهة التفتيش للتقليب في الإحاطة بحال الشيء كقوله تعالى :
فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ
[ الكهف : 42 ] فيكون المعنى ، أنّهم بحثوا وتجسّسوا للاطّلاع على شأن المسلمين وإخبار العدوّ به .
واللام في قوله :
لَكَ
على هذين الوجهين لام العلّة ، أي لأجلك وهو مجمل يبيّنه قوله :
لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ
[ التوبة : 48 ] . فالمعنى اتّبعوا فتنة تظهر منك ، أي في أحوالك وفي أحوال المسلمين .