تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
المرء وعزمه ، وهو إطلاق شائع في العربية . فلما كان مضمون هذه الجملة تكملة لمضمون الجملة التي قبلها يجوز أن يكون المعنى : واعلموا أن علم اللّه يخلص بين المرء وعقله خلوص الحائل بين شيئين فإنه يكون شديد الاتصال بكليهما . والمراد ب
الْمَرْءِ
عمله وتصرفاته الجسمانية . فالمعنى : أن اللّه يعلم عزم المرء ونيّته قبل أن تنفعل بعزمه جوارحه ، فشبه علم اللّه بذلك بالحائل بين شيئين في كونه أشد اتصالا بالمحول عنه من أقرب الأشياء إليه على نحو قوله تعالى :
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
. وجيء بصيغة المضارع
يَحُولُ
للدلالة على أن ذلك يتجدد ويستمر ، وهذا في معنى قوله تعالى :
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
[ ق : 16 ] قاله قتادة . والمقصود من هذا تحذير المؤمنين من كل خاطر يخطر في النفوس : من التراخي في الاستجابة إلى دعوة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، والتنصل منها ، أو التستر في مخالفته ، وهو معنى قوله :
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ
[ البقرة : 235 ] . وبهذا يظهر وقع قوله :
وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
عقبه فكان ما قبله تحذيرا وكان هو تهديدا وفي « الكشاف » ، و « ابن عطية » : قيل إن المراد الحث على المبادرة بالامتثال وعدم إرجاء ذلك إلى وقت آخر خشية أن تعترض المرء موانع من تنفيذ عزمه على الطاعة أي فيكون الكلام على حذف مضاف تقديره : إن أجل اللّه يحول بين المرء وقلبه ، أي بين عمله وعزمه قال تعالى :
وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ
[ المنافقون : 10 ] الآية . وهنالك أقوال أخرى للمفسرين يحتملها اللفظ ولا يساعد عليها ارتباط الكلام والذي حملنا على تفسير الآية بهذا دون ما عداه أن ليس في جملة :
أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
إلّا تعلق شأن من شؤون اللّه بالمرء وقلبه أي جثمانه وعقله دون شيء آخر خارج عنهما ، مثل دعوة الإيمان ودعوة الكفر ، وأن كلمة
بَيْنَ
تقتضي شيئين فما يكون تحول إلّا إلى أحدهما لا إلى أمر آخر خارج عنهما كالطبائع ، فإن ذلك تحويل وليس حئولا . وجملة :
وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
عطف على
أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
والضمير الواقع اسم ( أن ) ضمير اسم الجلالة ، وليس ضمير الشأن لعدم مناسبته ، ولإجراء أسلوب
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 70 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور