تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
واستبقائها بدفع العوادي عنها
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[ البقرة : 179 ]
وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً
[ المائدة : 32 ] . والإحياء هذا مستعار لما يشبه إحياء الميت ، وهو إعطاء الإنسان ما به كمال الإنسان ، فيعم كل ما به ذلك الكمال من إنارة العقول بالاعتقاد الصحيح والخلق الكريم ، والدلالة على الأعمال الصالحة وإصلاح الفرد والمجتمع ، وما يتقوم به ذلك من الخلال الشريفة العظيمة ، فالشجاعة حياة للنفس ، والاستقلال حياة ، والحرية حياة ، واستقامة أحوال العيش حياة . ولما كان دعاء الرسول صلى اللّه عليه وسلم لا يخلوا عن إفادة شيء من معاني هذه الحياة أمر اللّه الأمة بالاستجابة له ، فالآية تقتضي الأمر بالامتثال لما يدعو إليه الرسول سواء دعا حقيقة بطلب القدوم ، أم طلب عملا من الأعمال ، فلذلك لم يكن قيد
لِما يُحْيِيكُمْ
مقصودا لتقييد الدعوة ببعض الأحوال بل هو قيد كاشف ، فإن الرسول صلى اللّه عليه وسلم لا يدعوهم إلّا وفي حضورهم لديه حياة لهم ، ويكشف عن هذا المعنى في قيد
لِما يُحْيِيكُمْ
ما رواه أهل الصحيح عن أبي سعيد بن المعلى ، قال : كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلم أجبه ثم أتيته فقلت يا رسول اللّه إني كنت أصلي فقال : ألم يقل اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ
ثم قال : ألا أعلمك صورة الحديث في فضل فاتحة الكتاب ، فوقفه على قوله :
إِذا دَعاكُمْ
يدل على أن
لِما يُحْيِيكُمْ
قيد كاشف وفي « جامع الترمذي » عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خرج على أبيّ بن كعب فقال : يا أبيّ - وهو يصلي - فالتفت أبيّ ولم يجبه وصلى أبيّ فخفف ثم انصرف إلى رسول اللّه فقال : السلام عليك يا رسول اللّه - فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : وعليك السلام ما منعك يا أبيّ أن تجيبني إذ دعوتك - فقال : يا رسول اللّه إني كنت في الصلاة - فقال : أفلم تجد فيما أوحي إلي أن استجيبوا للّه وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم - قال : بلى ولا أعود إن شاء اللّه » الحديث بمثل حديث أبي سعيد بن المعلى - قال ابن عطية : وهو مروي أيضا من طريق مالك بن أنس ( يريد حديث أبيّ بن كعب وهو عند مالك حضر منه عند الترمذي ) قال ابن عطية وروي أنه وقع نحوه مع حذيفة بن اليمان في غزوة الخندق ، فتكون عدة قضايا متماثلة ولا شك أن القصد منها التنبيه على هذه الخصوصية لدعاء الرسول صلى اللّه عليه وسلم .
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
.