تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
بتجسيم المجردات فيراهم من أكرمه اللّه برؤيتهم ، وإما بإراءة اللّه الناس ما ليس من شأنه أن يرى عادة . [ 10 ]

[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 10 ]

وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 10 ) عطف على
أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ
[ الأنفال : 9 ] فالضمير المنصوب في قوله :
جَعَلَهُ
عائد إلى القول الذي تضمنه
فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ
[ الأنفال : 9 ] أي ما جعل جوابكم بهذا الكلام إلّا ليبشركم ، وإلّا فقد كان يكفيكم أن يضمن لكم النصر دون أن يبين أنه بإمداد من الملائكة . وفائدة التبشير بإمداد الملائكة أن يوم بدر كان في أول يوم لقي فيه المسلمون عدوا قويا وجيشا عديدا ، فبشرهم اللّه بكيفية النصر الذي ضمنه لهم بأنه بجيش من الملائكة ، لأن النفوس أميل إلى المحسوسات ، فالنصر معنى من المعاني يدق إدراكه وسكون النفس لتصوره بخلاف الصور المحسوسة من تصوير مدد الملائكة ورؤية أشكال بعضهم . وتقدم القول في نظير هذه الآية في سورة آل عمران إلّا لتعرض لما بين الآيتين من اختلاف في ترتيب النظم وذلك في ثلاثة أمور : أحدها : أنه قال في آل عمران [ 126 ] :
إِلَّا بُشْرى لَكُمْ
وحذف ( لكم ) هنا دفعا لتكرير لفظه لسبق كلمة
لَكُمْ
قريبا في قوله :
فَاسْتَجابَ لَكُمْ
[ الأنفال : 9 ] فعلم السامع أن البشرى لهم ، فأغنت
لَكُمْ
الأولى ، بلفظها ومعناها ، عن ذكر
لَكُمْ
مرة ثانية ، ولأن آية آل عمران سيقت مساق الامتنان والتذكير بنعمة النصر في حين القلة والضعف ، فكان تقييد
بُشْرى
بأنها لأجلهم زيادة في المنة أي : جعل اللّه ذلك بشرى لأجلكم كقوله تعالى :
أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
[ الشرح : 1 ] وأما آية الأنفال فهي مسوقة مساق العتاب على كراهية الخروج إلى بدر في أول الأمر ، وعلى اختيار أن تكون الطائفة التي تلاقيهم غير ذات الشوكة ، فجرد
بُشْرى
عن أن يعلق به
لَكُمْ
إذ كانت البشرى للنبي صلى اللّه عليه وسلم ومن لم يترددوا من المسلمين ، وقد تقدم ذلك في آل عمران . ثانيها : تقديم المجرور هنا في قوله :
بِهِ قُلُوبُكُمْ
وهو يفيد الاختصاص ، فيكون المعنى : ولتطمئن به قلوبكم لا بغيره ، وفي هذا الاختصاص تعريض بما اعتراهم من الوجل من الطائفة ذات الشوكة وقناعتهم بغنم العروض التي كانت مع العير ، فعرض لهم
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 34 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور