تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
وقعت فيه غفلات . ويجوز أن يكون الاختلاف بين المعلل والعلة بالعموم والخصوص أي يريد اللّه أن يحق الحق في هذه الحادثة لأنه يريد إحقاق الحق عموما . وأما قوله :
وَيُبْطِلَ الْباطِلَ
فهو ضد معنى قوله :
لِيُحِقَّ الْحَقَّ
وهو من لوازم معنى ليحق الحق ، لأنه إذا حصل الحق ذهب الباطل كما قال تعالى :
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ
[ الأنبياء : 18 ] ، ولما كان الباطل ضد الحق لزم من ثبوت أحدهما انتفاء الآخر . ومن لطائف عبد اللّه بن عباس أنه قال لعمر بن أبي ربيعة : كم سنّك فقال ابن أبي ربيعة ولدت يوم مات عمر بن الخطاب ، فقال ابن عباس : « أي حق رفع وأيّ باطل وضع » أي في ذلك اليوم ، ففائدة قوله :
وَيُبْطِلَ الْباطِلَ
التصريح بأن اللّه لا يرضى بالباطل ، فكان ذكر بعد قوله :
لِيُحِقَّ الْحَقَّ
بمنزلة التوكيد لقوله
لِيُحِقَّ الْحَقَّ
لأن ثبوت الشيء قد يؤكد بنفي ضده كقوله تعالى :
قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ
[ الأنعام : 140 ] . ويجيء في قوله :
وَيُبْطِلَ الْباطِلَ
من معنى الكلام ، ومن جناس الاشتقاق ، ما جاء في قوله :
أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ
ثم في مقابلة قوله :
لِيُحِقَّ الْحَقَّ
- بقوله -
وَيُبْطِلَ الْباطِلَ
محسن الطباق .
وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ
شرط اتصالي . و
لَوْ
اتصالية تدل على المبالغة في الأحوال ، وهو عطف على
يُرِيدُ اللَّهُ
، أو على
لِيُحِقَّ الْحَقَّ
أي يريد ذلك لذلك لا لغيره ، ولا يصد مراده ما للمعاندين من قوة بأن يكرهه المجرمون وهم المشركون . والكراهة هنا كناية عن لوازمها وهي الاستعداد لمقاومة المراد من تلك الإرادة ، فإن المشركين ، بكثرة عددهم وعددهم ، يريدون إحقاق الباطل ، وإرادة اللّه تنفذ بالرغم على كراهة المجرمين ، وأمّا مجرد الكراهة فليس صالحا أن يكون غاية للمبالغة في أحوال نفوذ مراد اللّه تعالى إحقاق الحق : لأنه إحساس قاصر على صاحبه ، ولكنه إذا بعثه على مدافعة الأمر المكروه كانت أسباب المدافعة هي الغاية لنفوذ الأمر المكروه على الكاره . وتقدم الكلام على
لَوِ
الاتصالية عند قوله تعالى :
وَلَوِ افْتَدى بِهِ
في سورة آل عمران [ 91 ] وقوله تعالى :
أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً
في سورة البقرة [ 170 ] .