تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
ودخول الفاء على الخبر وهو
فَأُولئِكَ مِنْكُمْ
لتضمين الموصول معنى الشرط من جهة أنّه جاء كالجواب عن سؤال السائل ، فكأنّه قيل : وأمّا الذين آمنوا من بعد وهاجروا إلخ ، أي : مهما يكن من حال الذين آمنوا ولم يهاجروا ، ومن حال الذين آمنوا وهاجروا والذين آووا ونصروا ، ف
الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ
وبذلك صار فعل
آمَنُوا
تمهيدا لما بعده من
هاجَرُوا وَجاهَدُوا
لأن قوله :
مِنْ بَعْدُ
قرينة على أنّ المراد : إذا حصل منهم ما لم يكن حاصلا في وقت نزول الآيات السابقة ، ليكون أصحاب هذه الصلة قسما مغايرا للأقسام السابقة . فليس المعنى أنّهم آمنوا من بعد نزول هذه الآية ، لأنّ الذين لم يكونوا مؤمنين ثم يؤمنون من بعد لا حاجة إلى بيان حكم الاعتداد بإيمانهم ، فإنّ من المعلوم أنّ الإسلام يجبّ ما قبله ، وإنّما المقصود : بيان أنّهم إن تداركوا أمرهم بأن هاجروا قبلوا وصاروا من المؤمنين المهاجرين ، فيتعيّن أنّ المضاف إليه المحذوف الذي يشير إليه بناء
بَعْدُ
على الضمّ أن تقديره : من بعد ما قلناه في الآيات السابقة ، وإلّا صار هذا الكلام إعادة لبعض ما تقدّم ، وبذلك تسقط الاحتمالات التي تردّد فيها بعض المفسّرين في تقدير ما أضيف إليه ( بعد ) . وفي قوله :
مَعَكُمْ
إيذان بأنّهم دون المخاطبين الذين لم يستقرّوا بدار الكفر بعد أن هاجر منها المؤمنون ، وأنّهم فرطوا في الجهاد مدة . والإتيان باسم الإشارة للذين آمنوا من بعد وهاجروا ، دون الضمير ، للاعتناء بالخبر وتمييزهم بذلك الحكم . و « من » في قوله :
مِنْكُمْ
تبعيضية ، ويعتبر الضمير المجرور بمن ، جماعة المهاجرين أي فقد صاروا منكم ، أي من جماعتكم وبذلك يعلم أنّ ولايتهم للمسلمين .
وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
. قال جمهور المفسّرين قوله :
فَأُولئِكَ مِنْكُمْ
أي مثلكم في النصر والموالاة ، قال مالك : إنّ الآية ليست في المواريث ، وقال أبو بكر بن العربي : قوله :
فَأُولئِكَ مِنْكُمْ
« يعني في الموالاة والميراث على اختلاف الأقوال ، أي اختلاف القائلين في أنّ المهاجر يرث الأنصاري والعكس ، وهو قول فرقة . وقالوا : إنّها نسخت بآية المواريث . عطف جملة على جملة فلا يقتضي اتّحادا بين المعطوفة والمعطوف عليها ، ولكن وقوع هذه الآية بإثر التقاسيم يؤذن بأنّ لها حظّا في إتمام التقسيم ، وقد جعلت في
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 175 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور