تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
[ الأنفال : 73 ] ، وجملة
وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا
[ الأنفال : 75 ] الآية ، والواو اعتراضية للتنويه بالمهاجرين والأنصار ، وبيان جزائهم وثوابهم ، بعد بيان أحكام ولاية بعضهم لبعض بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
إلى قوله :
أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
[ الأنفال : 72 ] فليست هذه تكريرا للأولى ، وإن تشابهت ألفاظها : فالأولى لبيان ولاية بعضهم لبعض ، وهذه واردة للثناء عليهم والشهادة لهم بصدق الإيمان مع وعدهم بالجزاء . وجيء باسم الإشارة في قوله :
أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ
لمثل الغرض الذي جيء به لأجله في قوله :
أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
[ الأنفال : 72 ] كما تقدّم . وهذه الصيغة صيغة قصر ، أي قصر الإيمان عليهم دون غيرهم ممّن لم يهاجروا ، والقصر هنا مقيّد بالحال في قوله :
حَقًّا
. فقوله :
حَقًّا
حال من
الْمُؤْمِنُونَ
وهو مصدر جعل من صفتهم ، فالمعنى : أنّهم حاقّون ، أي محقّقون لإيمانهم بأن عضّدوه بالهجرة من دار الكفر ، وليس الحقّ هنا بمعنى المقابل للباطل ، حتّى يكون إيمان غيرهم ممّن لم يهاجروا باطلا ، لأنّ قرينة قوله :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا
[ الأنفال : 72 ] مانعة من ذلك ، إذ قد أثبت لهم الإيمان ، ونفى عنهم استحقاق ولاية المؤمنين . والرزق الكريم هو الذي لا يخالط النفع به ضرّ ولا نكد ، فهو نفع محض لا كدر فيه . [ 75 ]

[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 75 ]

وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 75 )
وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ
. بعد أن منع اللّه ولاية المسلمين للذين آمنوا ولم يهجروا بالصراحة ، ابتداء ونفى عن الذين لم يهاجروا تحقيق الإيمان ، وكان ذلك مثيرا في نفوس السامعين أن يتساءلوا هل لأولئك تمكن من تدارك أمرهم برأب هذه الثّلمة عنهم ، ففتح اللّه باب التدارك بهذه الآية :
وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ
. فكانت هذه الآية بيانا ، وكان مقتضى الظاهر أن تكون مفصولة غير معطوفة ، ولكن عدل عن الفصل إلى العطف تغليبا لمقام التقسيم الذي استوعبته هذه الآيات .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 174 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور