تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
وقوله :
وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ
اخبار عن حالهم في الآخرة وتحقيق لخلودهم في النّار . وبعد أن حقّق ذلك بتأكيد الخبر كلّه بحرف التّوكيد ، زيد تأكيدا بطريق تأكيد الشّيء بما يشبه ضدّه ، المشتهر عند أهل البيان بتأكيد المدح بما يشبه الذّم ، وذلك بقوله تعالى :
حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ
فقد جعل لانتفاء دخولهم الجنّة امتدادا مستمرا ، إذ جعل غايته شيئا مستحيلا ، وهو أن يلج الجمل في سمّ الخياط ، أي لو كانت لانتفاء دخولهم الجنّة غاية لكانت غايته ولوج الجمل - وهو البعير - في سمّ الخياط ، وهو أمر لا يكون أبدا . والجمل : البعير المعروف للعرب ، ضرب به المثل لأنّه أشهر الأجسام في الضّخامة في عرف العرب . والخياط هو المخيط - بكسر الميم - وهو آلة الخياطة المسمّى بالإبرة ، والفعال ورد اسما مرادفا للمفعل في الدّلالة على آلة الشّيء كقولهم حزام ومحزم ، وإزار ومئزر ، ولحاف وملحف ، وقناع ومقنع . والسمّ : الخرت الذي في الإبرة يدخل فيه خيط الخائط ، وهو ثقب ضيّق ، وهو بفتح السّين في الآية بلغة قريش وتضمّ السّين في لغة أهل العالية . وهي ما بين نجد وبين حدود أرض مكّة . والقرآن أحال على ما هو معروف عند النّاس من حقيقة الجمل وحقيقة الخياط ، ليعلم أنّ دخول الجمل في خرت الإبرة محال متعذّر ما داما على حاليهما المتعارفين . والإشارة في قوله :
وَكَذلِكَ
إشارة إلى عدم تفتّح أبواب السّماء الذي تضمّنه قوله :
لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ
أي ، ومثل ذلك الانتفاء ، أي الحرمان نجزي المجرمين لأنّهم بإجرامهم ، الذي هو التّكذيب والإعراض ، جعلوا أنفسهم غير مكترثين بوسائل الخير والنّجاة ، فلم يتوخّوها ولا تطلبوها ، فلذلك جزاهم اللّه عن استكبارهم أن أعرض عنهم ، وسدّ عليهم أبواب الخيرات . وجملة
وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ
تذييل يؤذن بأنّ الإجرام هو الذي أوقعهم في ذلك الجزاء ، فهم قد دخلوا في عموم المجرمين الذين يجزون بمثل ذلك الجزاء ، وهم المقصود الأوّل منهم ، لأنّ عقاب المجرمين قد شبّه عقاب المجرمين بعقاب هؤلاء ، فعلم أنّهم مجرمون ، وأنّهم في الرّعيل الأوّل من المجرمين ، حتّى شبّه عقاب عموم المجرمين بعقاب هؤلاء