تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
أثناء وصف عذاب أهل النّار ، والمبيّن به حال نفوسهم في المعاملة بقوله :
كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها
[ الأعراف : 38 ] . والتّعبير عن المستقبل بلفظ الماضي للتّنبيه على تحقّق وقوعه ، أي : وننزع ما في صدورهم من غل ، وهو تعبير معروف في القرآن كقوله تعالى :
أَتى أَمْرُ اللَّهِ
[ النحل : 1 ] . والنّزع حقيقته قلع الشّيء من موضعه وقد تقدّم عند قوله تعالى :
وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ
في آل عمران [ 26 ] ، ونزع الغل من قلوب أهل الجنّة : هو إزالة ما كان في قلوبهم في الدّنيا من الغلّ عند تلقي ما يسوء من الغير ، بحيث طهّر اللّه نفوسهم في حياتها الثّانية عن الانفعال بالخواطر الشرّية التي منها الغلّ ، فزال ما كان في قلوبهم من غلّ بعضهم من بعض في الدّنيا ، أي أزال ما كان حاصلا من غلّ وأزال طباع الغلّ التي في النّفوس البشريّة بحيث لا يخطر في نفوسهم . والغلّ : الحقد والإحنة والضغن ، التي تحصل في النّفس عند إدراك ما يسوؤها من عمل غيرها ، وليس الحسد من الغلّ بل هو إحساس باطني آخر . وجملة :
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ
في موضع الحال ، أي هم في أمكنة عالية تشرف على أنهار الجنّة . وجملة :
وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ
معطوفة على جملة :
أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
[ الأعراف : 42 ] . والتّعبير بالماضي مراد به المستقبل أيضا كما في قوله :
وَنَزَعْنا
وهذا القول يحتمل أن يكونوا يقولونه في خاصتهم ونفوسهم ، على معنى التّقرب إلى اللّه بحمده ، ويحتمل أن يكونوا يقولونه بينهم في مجامعهم . والإشارة في قولهم :
لِهذا
إلى جميع ما هو حاضر من النّعيم في وقت ذلك الحمد ، والهداية له هي الإرشاد إلى أسبابه ، وهي الإيمان والعمل الصّالح ، كما دلّ عليه قوله :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
[ الأعراف : 42 ] ، وقال تعالى :
يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ
[ يونس : 9 ] الآية ، وجعل الهداية لنفس النّعيم لأنّ الدّلالة على ما يوصل إلى الشّيء إنّما هي هداية لأجل ذلك الشّيء ، وتقدّم الكلام على فعل الهداية وتعديته في سورة الفاتحة [ 6 ] . والمراد بهدي اللّه تعالى إياهم إرساله محمّدا صلى اللّه عليه وسلّم إليهم فأيقظهم من غفلتهم فاتّبعوه ،