تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 415

مساهمون:

ص٤١٥
واختيار صيغة المضارع لدلالتها على التجديد والاستمرار ، أو كما هو المقصود وتقديم المعمول من قوله :
وَلَهُ يَسْجُدُونَ
للدلالة على الاختصاص أي ولا يسجدون لغيره ، وهذا أيضا تعريض بالمشركين الذين يسجدون لغيره ، والمضارع يفيد الاستمرار أيضا . وهنا موضع سجود من سجود القرآن ، وهو أولها في ترتيب الصحف ، وهو من المتفق على السجود فيه بين علماء الأمة ، ومقتضى السجدة هنا أن الآية جاءت للحض على التخلق بأخلاق الملائكة في الذكر ، فلما أخبرت عن حالة من أحوالهم في تعظيم اللّه وهو السجود للّه ، أراد الرسول عليه الصلاة والسلام أن يبادر بالتشبه بهم تحقيقا للمقصد الذي سبق هذا الخبر لأجله . وأيضا جرى قبل ذلك ذكر اقتراح المشركين أن يأتيهم النبي صلى اللّه عليه وسلّم بآية كما يقترحون فقال اللّه له :
قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي
[ الأعراف : 203 ] وبأن يأمرهم بالاستماع للقرآن وذكر أن الملائكة يسجدون للّه ، شرع اللّه عند هذه الآية سجودا ؛ ليظهر إيمان المؤمنين بالقرآن وجحود الكافرين به حين سجد المؤمنون ، ويمسك المشركون الذين يحضرون مجالس نزول القرآن ، وقد دل استقراء مواقع سجود القرآن أنها لا تعدو أن تكون إغاظة للمشركين أو اقتداء بالأنبياء أو المرسلين كما قال ابن عباس في سجدة ،
فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ
[ ص : 24 ] أن اللّه تعالى قال :
فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
[ الأنعام : 90 ] فداود ممن أمر محمد صلى اللّه عليه وسلّم بأن يقتدي به .