[ 206 ]
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 206 ]
إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ( 206 )
تتنزل منزلة العلة للأمر بالذكر ، ولذلك صدرت ب
إِنَّ
التي هي لمجرد الاهتمام بالخبر ، لا لرد تردد أو إنكار ، لأن المخاطب منزه عن أن يتردد في خبر اللّه تعالى ، فحرف التوكيد في مثل هذا المقام يغني غناء فاء التفريع ، ويفيد التعليل كما تقدم غير مرة ، والمعنى : الحث على تكرر ذكر اللّه في مختلف الأحوال ، لأن المسلمين مأمورون بالاقتداء بأهل الكمال من الملإ الأعلى ، وفيها تعريض بالمشركين المستكبرين عن عبادة اللّه بأنهم منحطون عن تلك الدرجات .
والمراد ب
الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ
الملائكة ، ووجه جعل حال الملائكة علة لأمر النبي صلى اللّه عليه وسلّم بالذكر : أن مرتبة الرسالة تلحق صاحبها من البشر برتبة الملائكة ، فهذا التعليل بمنزلة أن يقال : اذكر ربك لأن الذكر هو شان قبيلك ، كقول ابن دارة سالم بن مسافع :
فإن تتقوا شرا فمثلكم اتقى * وإن تفعلوا خيرا فمثلكم فعل
فليس في هذا التعليل ما يقتضي أن يكون الملائكة أفضل من الرسل ، كما يتوهمه المعتزلة لأن التشبه بالملائكة من حيث كان الملائكة أسبق في هذا المعنى ؛ لكونه حاصلا منهم بالجبلّة فهم مثل فيه ، ولا شبهة في أن الفريق الذين لم يكونوا مجبولين على ما جبلت عليه الملائكة ، إذا تخلقوا بمثل خلق الملائكة ، كان سموهم إلى تلك المرتبة أعجب ، واستحقاقهم الشكر والفضل له أجدر .
ووجه العدول عن لفظ الملائكة إلى الموصولية : ما تؤذن به الصلة من رفعة منزلتهم ، فيتذرع بذلك إلى إيجاد المنافسة في التخلق بأحوالهم .
و
عِنْدَ
مستعمل مجازا في رفعة المقدار ، والحظوة الإلهية .
وقوله :
لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ
ليس المقصود به التنويه بشأن الملائكة لأن التنويه بهم يكون بأفضل من ذلك ، وإنما أريد به التعريض بالمشركين وأنهم على النقيض من أحوال الملائكة المقربين ، فخليق بهم أن يكونوا بعداء عن منازل الرفعة ، والمقصود هو قوله :
وَيُسَبِّحُونَهُ
أي ينزهونه بالقول والاعتقاد عن صفات النقص ، وهذه الصلة هي المقصودة من التعليل للأمر بالذكر .