تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
الأطوار ، الدالة على دقيق حكمة اللّه وقدرته ، وبلطفه بالإنسان . وظاهر قوله :
دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما
أن كل أبوين يدعوان بذلك ، فإن حمل على ظاهره قلنا لا يخلو أبواب مشركان من أن يتمنيا أن يكون لهما من الحمل مولود صالح ، سواء نطقا بذلك أم أضمراه في نفوسهما ، فإن مدة الحمل طويلة ، لا تخلو أن يحدث هذا التمني في خلالها ، وإنما يكون التمني منهم على اللّه ، فإن المشركين يعترفون للّه بالربوبية ، وبأنه هو خالق المخلوقات ومكونها ، ولاحظ للآلهة إلّا في التصرفات في أحوال المخلوقات ، كما دلت عليه محاجات القرآن لهم نحو قوله تعالى :
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
[ يونس : 34 ] وقد تقدم القول في هذا عند قوله تعالى :
ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
في الأنعام [ 1 ] . وإن حمل
دَعَوَا
على غير ظاهره فتأويله أنه مخصوص ببعض الأزواج الذين يخطر ببالهم الدعاء . وإجراء صفة
رَبَّهُما
المؤذنة بالرفق والإيجاد : للإشارة إلى استحضار الأبوين هذا الوصف عند دعائهما اللّه ، أي يذكر أنه باللفظ أو ما يفيد مفاده ، ولعل العرب كانوا إذا دعوا بصلاح الحمل قالوا : ربنا آتنا صالحا . وجملة :
لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً
مبيّنة لجملة
دَعَوَا اللَّهَ
. و
صالِحاً
وصف جرى على موصوف محذوف ، وظاهر التذكير أن المحذوف تقديره : ( ذكرا ) وكان العرب يرغبون في ولادة الذكور وقال تعالى :
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ
[ النحل : 57 ] أي الذكور . فالدعاء بأن يؤتيا ذكرا ، وأن يكون صالحا ، أي نافعا : لأنهم لا يعرفون الصلاح الحق ، وينذران : لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين . ومعنى
فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما
وضمير
جَعَلا
للنفس الواحدة وزوجها ، أي جعل الأبوان المشركان . و « الشّرك » مصدر شركه في كذا ، أي جعلا للّه شركة ، والشركة تقتضي شريكا أي جعلا للّه شريكا فيما آتاهما اللّه ، والخبر مراد منه مع الإخبار التعجيب من سفه آرائهم ، إذ لا يجعل رشيد الرأي شريكا لأحد في ملكه وصنعه بدون حق ، فلذلك عرف المشروك فيه بالموصولية فقيل
فِيما آتاهُما
دون الإضمار بأن يقال : جعلا له شركا فيه : لما تؤذن به