تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
وصيغت هذه الكناية بالفعل الدال على التكلف لإفادة قوة التمكن من ذلك لأن التكلف يقتضي الرغبة . وذكّر الضمير المرفوع في فعلي يسكن و ( تغشى ) : باعتبار كون ما صدق المعاد ، وهو النفس الواحدة ، ذكرا ، وأنّث الضمير المنصوب في
تَغَشَّاها
، والمرفوع في
حَمَلَتْ
. و ( مرت ) : باعتبار كون ما صدق المعاد وهو زوجها أنثى ، وهو عكس بديع في نقل ترتيب الضمائر . ووصف الحمل ب
خَفِيفاً
إدماج ثان ، وهو حكاية للواقع ، فإن الحمل في مبدئه لا تجد منه الحامل ألما ، وليس المراد هنا حملا خاصّا ، ولكنه الخبر عن كل حمل في أوله ، لأن المراد بالزوجين جنسهما ، فهذه حكاية حالة تحصل منها عبرة أخرى ، وهي عبرة تطور الحمل كيف يبتدئ خفيفا كالعدم ، ثم يتزايد رويدا رويدا حتى يثقل ، وفي « الموطأ » « قال : مالك وكذلك ( أي كالمريض غير المخوف والمريض المخوف » ) : الحامل في أول حملها بشر وسرور وليس بمرض ولا خوف ، لأن اللّه تبارك وتعالى قال في كتابه
فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ
[ هود : 71 ] وقال :
حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ
. وحقيقة المرور : الاجتياز ، ويستعار للتغافل وعدم الاكتراث للشيء كقوله تعالى :
فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ
[ يونس : 72 ] أي : نسي دعاءنا ، وأعرض عن شكرنا لأن المار بالشيء لا يقف عنده ولا يسائله ، وقوله :
وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً
[ الفرقان : 72 ] . وقال تعالى :
وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ
[ يوسف : 105 ] . فمعنى
فَمَرَّتْ بِهِ
لم تتفطن له ، ولم تفكر في شأنه ، وكل هذا حكاية للواقع ، وهو إدماج . والإثقال ثقل الحمل وكلفته ، يقال أثقلت الحامل فهي مثقل وأثقل المريض فهو مثقل ، والهمزة للصيرورة مثل أورق الشجر ، فهو كما يقال أقربت الحامل فهي مقرب إذا أقرب أبان وضعها . وقد سلك في وصف تكوين النسل مسلك الإطناب : لما فيه من التذكير بتلك
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 385 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور