تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
من جنّات الأرض فالأمر ظاهر ، وتقدّم ذلك في سورة البقرة . وهذا الكلام يدلّ على أنّ إبليس علم أنّ اللّه خلق البشر للصّلاح والنّفع ، وأنّه أودع فيهم معرفة الكمال ، وأعانهم على بلوغه بالإرشاد ، فلذلك سمّيت أعمال الخير ، في حكاية كلام إبليس ، صراطا مستقيما ، وأضافه إلى ضمير الجلالة ، لأنّ اللّه دعا إليه وارد من النّاس سلوكه ، ولذلك أيضا ألزم
لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ
ثم لآتيناهم
مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ
. وبهذا الاعتبار كان إبليس عدوا لبني آدم ، لأنّه يطلب منهم ما لم يخلقوا لأجله وما هو مناف للفطرة التي فطر اللّه عليها البشر ، فالعداوة متأصّلة وجبليّة بين طبع الشّيطان وفطرة الإنسان السّالمة من التّغيير ، وذلك ما أفصح عنه الجعل الإلهي المشار إليه بقوله :
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ *
[ البقرة : 36 ] ، وبه سيتّضح كيف انقلبت العداوة ولاية بين الشّياطين وبين البشر الذين استحبّوا الضّلال والكفر على الإيمان والصّلاح . وجملة : ثم لآتيناهم ( ثمّ ) فيها للتّرتيب الرّتبي ، وهو التّدرّج في الأخبار إلى خبر أهم لأنّ مضمون الجملة المعطوفة أوقع في غرض الكلام من مضمون الجملة المعطوف عليها ، لأنّ الجملة الأولى أفادت التّرصد للبشر بالإغواء ، والجملة المعطوفة أفادت التّهجّم عليهم بشتّى الوسائل . وكما ضرب المثل لهيئة الحرص على الإغواء بالقعود على الطريق ، كذلك مثلت هيئة التّوسل إلى الإغواء بكلّ وسيلة بهيئة الباحث الحريص على أخذ العدوّ إذ يأتيه من كلّ جهة حتّى يصادف الجهة التي يتمكّن فيها من أخذه ، فهو يأتيه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله حتّى تخور قوّة مدافعته ، فالكلام تمثيل ، وليس للشّيطان مسلك للإنسان إلّا من نفسه وعقله بإلقاء الوسوسة في نفسه ، وليست الجهات الأربع المذكورة في الآية بحقيقة ، ولكنّها مجاز تمثيلي بما هو متعارف في محاولة النّاس ومخاتلتهم ، ولذلك لم يذكر في الآية الإتيان من فوقهم ومن تحتهم إذ ليس ذلك من شأن النّاس في المخاتلة وإلّا المهاجمة . وعلّق
بَيْنِ أَيْدِيهِمْ
و
خَلْفِهِمْ
بحرف ( من ) وعلّق
أَيْمانِهِمْ
وشمالهم بحرف عن جريا على ما هو شائع في « لسان العرب » في تعدية الأفعال إلى أسماء الجهات ، وأصل ( عن ) في قولهم : عن يمينه وعن شماله المجاوزة : أي من جهة يمينه مجاوزا له ومجافيا له ، ثمّ شاع ذلك حتّى صارت ( عن ) بمعنى على ، فكما يقولون : جلس على يمينه