تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
وقدّره من قبل سؤاله ، أي تحقّق كونك من الفريق الذين أنظروا إلى يوم البعث ، أي أنّ اللّه خلق خلقا وقدّر بقاءهم إلى يوم البعث ، فكشف لإبليس أنّه بعض من جملة المنظرين من قبل حدوث المعصية منه ، وإن اللّه ليس بمغيّر ما قدّره له ، فجواب اللّه تعالى لإبليس إخبار عن أمر تحقّق ، وليس إجابة لطلبة إبليس ، لأنّه أهون على اللّه من أن يجيب له طلبا ، وهذه هي النّكتة في العدول عن أن يكون الجواب : أنظرتك أو أجبت لك ممّا يدلّ على تكرمة باستجابة طلبه ، ولكنّه أعلمه أنّ ما سأله أمر حاصل فسؤاله تحصيل حاصل . [ 16 ، 17 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 16 إلى 17 ]

قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ( 16 ) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ( 17 ) الفاء للتّرتيب والتسبب على قوله :
إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ
[ الأعراف : 13 ] - ثمّ قوله -
إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ
[ الأعراف : 15 ] . فقد دلّ مضمون ذينك الكلامين أنّ اللّه خلق في نفس إبليس مقدرة على إغواء النّاس بقوله :
إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ
[ الأعراف : 13 ] وإنّه جعله باقيا متصرّفا بقواه الشرّيرة إلى يوم البعث ، فأحسّ إبليس إنّه سيكون داعية إلى الضّلال والكفر ، بجبلة قلبه اللّه إليها قلبا وهو من المسخ النّفساني ، وإنّه فاعل ذلك لا محالة مع علمه بأنّ ما يصدر عنه هو ضلال وفساد ، فصدور ذلك منه كصدور النّهش من الحيّة ، وكتحرّك الأجفان عند مرور شيء على العين ، وإن كان صاحب العين لا يريد تحريكهما . والباء في قوله :
فَبِما أَغْوَيْتَنِي
سببية وهي ظرف مستقر واقع موقع الحال من فاعل
لَأَقْعُدَنَّ
، أي أقسم لهم حال كون ذلك مني بسبب إغوائك إياي . واللّام في
لَأَقْعُدَنَّ
لام القسم : قصد تأكيد حصول ذلك وتحقيق العزم عليه . وقدم المجرور على عامله لإفادة معنى التّعليل ، وهو قريب من الشّرط فلذلك استحقّ التّقديم فإنّ المجرور إذا قدم قد يفيد معنى قريبا من الشرطيّة ، كما في قول النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم : « كما تكونوا يولّى عليكم » وفي رواية جزم تكونوا مع عدم معاملة عامله معاملة جواب الشّرط بعلامة الجزم فلم يرو « يولى » إلّا بالألف في آخره على عدم اعتبار الجزم . وذلك يحصل من الاهتمام بالمتعلّق ، إذ كان هو السّبب في حصول المتعلّق به ، فالتّقديم للاهتمام ، ولذلك لم يكن هذا التّقديم منافيا لتصدير لام القسم في جملتها ، على أنّا لا نلتزم ذلك فقد خولف في كثير من كلام العرب . وما مصدريّة ، والقعود عن كناية عن الملازمة