تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
ملك اللّه تعالى ، وإلى نظر في مخلوقاته ودقائق أحوالها الدالة على عظيم قدرة اللّه تعالى ، فالنظر إلى عظمة السماوات والأرض دليل على عظم ملك اللّه تعالى فهو الحقيق بالإلهية دون غيره ، والنظر إلى المخلوقات دليل على عظم قدرته تعالى ، وأنه المنفرد بالصنع فهو الحقيق بالإلهية ، فلو نظروا في ذلك نظر اعتبار ؛ لعلموا أن صانع ذلك كله ليس إلا إله واحد ، فلزال إنكارهم دعوة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم إلى إبطال الشرك . وقوله :
وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ
معطوف على
وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ
. و
أَنْ
هذه هي أن المفتوحة الهمزة المشددة النون خففت ، فكان اسمها ضمير شأن مقدرا . وجملة :
عَسى أَنْ يَكُونَ
إلخ خبر ضمير الشأن . و
أَنْ
التي بعد عسى مصدرية هي التي تزاد بعد عسى غالبا في الاستعمال . واسم
يَكُونَ
ضمير شأن أيضا محذوف ، لأن ما بعد ( يكون ) غير صالح لأن يعتبر اسما لكان ، والمعنى ألم ينظروا في توقع قرب أجلهم . وصيغ الكلام على هذا النظم ؛ لإفادة تهويل الأمر عليهم وتخويفهم ، بجعل متعلق النظر من معنى الإخبار للدلالة على أنه أمر من شأنه أن يخطر في النفوس ، وأن يتحدث به الناس ، وأنه قد صار حديثا وخبرا فكأنه أمر مسلم مقرر . وهذا موقع ضمير الشان حيثما ورد ، ولذلك يسمى : ضمير القصة اعتدادا بأن جملة خبره قد صارت شيئا مقررا ومما يقصه الناس ويتحدثون به . ومعنى النظر في توقع اقتراب الأجل ، التخوف من ذلك . والأجل المضاف إلى ضمير المكذبين هو أجل الأمة لا أجل الأفراد ، لأن الكلام تهديد بأجل غير متعارف ، نبههم إلى التفكر في توقع حلول الاستئصال بهم وإهلاكهم كما هلك المكذبون من قبلهم ، لأنهم إذا تفكروا في أن صاحبهم ليس بمجنون حصل لهم العلم بأنه من العقلاء ، فما كان العاقل بالذي يحدث لقومه حادثا عظيما مثل هذا ، ويحدث لنفسه عناء كهذا العناء لغير أمر عظيم جاء به ، وما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على اللّه ، وإذا نظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق اللّه من شيء علموا أن اللّه الملك الأعظم ، وأنه خالق المخلوقات ، فأيقنوا بأنه الإله الواحد ، فآل ذلك إلى تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام ، وإبطال معتقدهم تعدد الآلهة أو آل في أقل