تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
العراق « ألستم أصحابي بالأهواز حين رمتم الغدر واستبطنتم الكفر » يريد أنهم الذين قاتلوه بالأهواز ، فمعنى كونهم أصحابه أنه كثر اشتغاله بهم ، وقول الفضل بن عبّاس اللّهبي :
كلّ له نيّة في بغض صاحبه * بنعمة اللّه نقليكم وتقلونا
فوصف الرسول صلى اللّه عليه وسلّم بأنه صاحب الذين كذبوا بالآيات : هو بمعنى الذي اشتغلوا بشأنه ولزموا الخوض في أمره ، وقد تكرر ذلك في القرآن كقوله تعالى :
وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ
[ التكوير : 22 ] . والجنة - بكسر الجيم - اسم للجنون ، وهو الخبال الذي يعتري الإنسان من أثر مسّ الجن إيّاه في عرف الناس ، ولذلك علقت الجنة بفعل الكون المقدر ، بحرف الباء الدال على الملابسة . وإنما أنكر عليهم وعجّب من إعراضهم عن التفكر في شأن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه غير مجنون ، ردا عليهم وصفهم إياه بالجنون
وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ
[ الحجر : 6 ] ،
وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ
[ الدخان : 14 ] وهذا كقوله تعالى :
وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ
[ التكوير : 22 ] . وجملة :
إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
استئناف بياني لجواب سائل منهم يقول : فما ذا شأنه ، أو هي تقرير لحكم جملة :
ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ
ففصلت لكمال الاتصال بينهما المغني عن العطف . والنذير المحذر من شيء يضر ، وأصله الذي يخبر القوم بقدوم عدوهم ، ومنه المثل « أنا النذير العريان » يقال أنذر نذارة بكسر النون مثل بشارة فهو منذر ونذير . وهذا مما جاء فيه فعيل في موضع مفعل ، مثل الحكيم ، بمعنى المحكم ، وقول عمرو بن معديكرب : أمن ريحانة الداعي السميع أي المسمع . والمبين اسم فاعل من أبان إذا أوضح ، ووقع هذا الوصف عقب الإخبار ب ( نذير ) يقتضي أنه وصف للخبر ، فالمعنى أنه النذير المبين لنذارته بحيث لا يغادر شكا في صدقه ، ولا في تصوير الحال المحذر منها ، فالغرض من اتباع « النذير » بوصف « المبين » التعريض بالذين لم ينصاعوا لنذارته ، ولم يأخذوا حذرهم من شر ما حذرهم منه ، وذلك يقطع عذرهم . ويجوز جعل
مُبِينٌ
خبرا ثانيا عن ضمير صاحبهم ، والمعنى أنه نذير وأنه مبين